موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

استقالة الحلبي: مناورة أم بداية فصل جديد في مسلسل فساد التعليم اللبناني؟

الكاتب: آية رمضان | الإثنين 9 أيلول 2024

في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية المتردية التي تعصف بلبنان، يعاني القطاع التعليمي الرسمي من أزمة متفاقمة تهدد مستقبل آلاف الطلاب. تتجلى هذه الأزمة في تراجع دور المدارس الرسمية، وانخفاض التمويل المخصص لها، فضلاً عن السياسات التي يواجهها وزير التربية، عباس الحلبي، من جهة تمويل صناديق المدارس وتحسين أوضاع المعلمين. تتعقد الأمور في ظل تعارض المصالح السياسية والضغوط التي تمارس على الوزارة من الداخل والخارج.

في خضم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة في لبنان، يمر القطاع التعليمي الرسمي بأزمة خانقة تهدد مستقبل آلاف الطلاب. تتجسد هذه الأزمة في تراجع دور المدارس الرسمية وانخفاض التمويل المخصص لها، إلى جانب السياسات التي يواجهها وزير التربية عباس الحلبي، خاصة فيما يتعلق بتمويل صناديق المدارس وتحسين أوضاع المعلمين. ويزداد الوضع تعقيداً بفعل تضارب المصالح السياسية والضغوط الممارسة على الوزارة من الداخل والخارج.

الرسوم المدرسية والتمويل المفقود

في قلب هذه الأزمة، جاء قرار الحلبي بفرض رسوم تسجيل على طلاب المدارس الرسمية، وهو ما أثار موجة من الجدل، إذ يتناقض هذا القرار مع قانون مجانية التعليم الأساسي. القرار كان يفرض رسماً قدره 50 دولاراً لكل طالب لدعم صناديق المدارس التي تعاني من شح التمويل وعدم القدرة على تسيير الأمور اليومية. ومع ذلك، وبعد ضغوط من السياسيين والمرجعيات الدينية، خصوصاً السنية، اضطر الحلبي إلى تعديل قراره، ليتحول إلى «مساهمة في صناديق الأهل» بدلاً من رسم تسجيل مباشر.

الانتقادات جاءت من داخل الوزارة أيضاً، حيث واجه الحلبي معارضة من الحزب التقدمي الاشتراكي الذي كان يدعمه سابقاً. وصف الحزب القرار بأنه يخرق مبدأ العدالة الاجتماعية ومجانية التعليم. وليد جنبلاط، رئيس الحزب السابق، اعتبر القرار مخالفاً للدستور، وطالب بالتراجع عنه بالكامل. هذه المواقف دفعت الحلبي للتفكير في الاستقالة كوسيلة للضغط على القوى السياسية لتبني قراره بفرض الرسوم كحتمية لفتح المدارس.

البحث عن حلول في ظل الاستعصاء المالي

أمام هذا الواقع، توجه الحلبي للثنائي الشيعي آملاً في الحصول على الدعم المالي المطلوب لتنفيذ قراره. رغم معارضة بعض القوى السياسية لهذه الرسوم، ثمة مساعٍ داخل الوزارة لإقناع النواب والحكومة بضرورتها لضمان استمرار المدارس الرسمية. وتعاني هذه المدارس من شح في الموارد، ما يعرقل قدرتها على دفع أجور المعلمين المتعاقدين والعاملين.

من ناحية أخرى، يطالب بعض النواب بإلغاء هذه الرسوم، مشددين على أن الدولة يجب أن تتحمل مسؤولية تمويل التعليم الرسمي. وبينما تلقت الحكومة سابقاً دعماً مالياً من جهات مانحة مثل اليونيسف، تراجع هذا الدعم مؤخراً نتيجة سوء استخدام الأموال، مما فاقم من الأزمة.

سوء استخدام التمويل الدولي

أحد أبرز التحديات التي تواجه الوزارة هي توقف الجهات المانحة عن تقديم التمويل المباشر بسبب سوء الإدارة والفساد. اليونيسف، التي كانت قد قدمت دعماً سابقاً، علقت مساعداتها لحين تنفيذ إصلاحات حقيقية في الوزارة، وهو ما لم يحدث بعد. اليونسكو أيضاً انتقدت الوضع وطالبت بتحسين آليات الرقابة والشفافية في الوزارة.

كما وقع الحلبي عقوداً مع مستشارين بمبالغ كبيرة، فيما يتلقى بعض الموظفين في الوزارة رشى. ووجهت اتهامات لبعض المسؤولين بمنح موافقات استثنائية لمدارس خاصة مقابل رشاوى، مما زاد من عمق الأزمة.

فشل السياسات الداخلية والضغوط السياسية

أحد الانتقادات الموجهة إلى الحلبي هو سوء استغلال الأموال المخصصة من مشروع S2R2 الممول من البنك الدولي. فبدلاً من تحسين وضع التعليم في المدارس الرسمية، تم استخدام هذه الأموال بطرق ملتوية لإرضاء بعض الأحزاب السياسية. وعندما توقف تمويل المشروع، فقد الحلبي الدعم السياسي الذي كان يعتمد عليه، وأصبحت الوزارة غير قادرة على تلبية احتياجاتها المالية.

وقد صرح نقيب المعلمين في المدارس الخاصة نعمة محفوض لموقع «الطالب» ان توقيت إعلان الحلبي استقالته يعتبر مشبوهاً، لأنه يأتي في توقيت حساس، حيث يترافق الإعلان مع تهديدات بعدم بدء العام الدراسي في حال لم تُصرف الحوافز المالية للمعلمين. هذا التهديد يضع الأهالي أمام معضلة: إما دفع الرسوم أو المخاطرة بتعطيل تعليم أبنائهم.

الحلول الممكنة للخروج من الأزمة

في مواجهة هذه التحديات، يتطلب الخروج من الأزمة تعاوناً بين الحكومة والجهات المانحة لتوفير التمويل اللازم للمدارس، إلى جانب إصلاحات جذرية في الوزارة لمكافحة الفساد وسوء الإدارة. يجب على الحكومة اللبنانية تحمل مسؤولياتها في دعم التعليم الرسمي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تجعل من الصعب على الأهالي تحمل أعباء مالية إضافية.

في الوقت نفسه، يتعين على الوزارة استعادة ثقة الجهات المانحة من خلال تنفيذ إصلاحات حقيقية تضمن الاستخدام الفعّال للأموال. ويجب تحسين أوضاع المعلمين عبر زيادة أجورهم وتوفير الحوافز المناسبة لضمان استمرارهم في أداء واجباتهم دون اللجوء إلى تهديدات الإضراب أو الاستقالة.

الأزمة التعليمية في لبنان ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات لسنوات من الفساد وسوء الإدارة. الحلبي يجد نفسه أمام تحدٍ كبير، حيث يتعين عليه الموازنة بين الضغوط السياسية والمالية، والحاجة لإنقاذ العام الدراسي وضمان استمرارية التعليم الرسمي. ولكن دون إصلاحات جوهرية ودعم حقيقي من الحكومة والمجتمع الدولي، يبقى مستقبل التعليم في لبنان مهدداً، مما يعرض آلاف الطلاب لمصير مجهول.