تناولت العديد من المقالات والدراسات السابقة علاقة الأطفال والمراهقين بمواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وتعود هذه الغزارة في الكتابة عن هذا الموضوع بسبب السيطرة الكبيرة التي تفرضها مواقع التواصل وشبكات الانترنت على حياة الأفراد كبارًا وصغارًا. وهكذا، أصبح هذا الشأن محط أنظار التربويين الذّين ركزوا دراساتهم على الشأن التكنولوجي وانخراطه في حياة الأطفال اليومية ودوره في تنشئة الفرد إما بشكل إيجابي أو بشكل سلبي، فهو الذي فرض سلطته على بناء شخصية الطفل أو المراهق.
من هنا، يمكننا القول أنّ وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام أخذت دورًا في عملية تربية الطفل إلى جانب الأهل والمدرسة بشكلٍ تلقائي وبارز. فيلقي الأهل المسؤولية في تعثر عملية التربية على الاستخدام المفرط لمواقع التواصل أو الهاتف الخليوي الذّي ابتاعوه بأنفسهم للطفل وضعوه في حوزته.
هذا وأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تمثل الجزء الأكبر من حياة عددٍ لا يستهان به من المواطنين، فبحسب استطلاع اجراه “مركز بيو للأبحاث” في عام 2018 على نحو 750 طفلٍ تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا، تبين أن 45% منهم لديهم اتصال دائم بالإنترنت، و97% منهم يستخدمون منصات التواصل الاجتماعي ولديهم حسابات في انستغرام وفايسبوك ويوتيوب وسناب شات وغيرها.
كيف تساهم وسائل التواصل ايجابيًا في بناء شخصية الطفل أو المراهق؟
لا يمكننا تجاهل الأثر الكبير الذّي فرضه الانترنت على العالم الأجمع وبخاصة بعد أنّ انخرط في عملية التربية والتعليم. فمن أهم الأشياء التي قدمها الانترنت ووسائل التواصل المنصات التعليمية والتواصلية التفاعلية التي تتيح خاصية التعلم عن بعد واكتساب معلومات جديدة ومعارف أثناء الجلوس في المنزل وبعيدًا عن الجدران الصفية.
تقدم هذه الشبكات المحتوى المفيد والذّي يستهدف الفئة العمرية الصغيرة في المجتمع وهنا يتجلى دور المؤسسات التربوية في التواجد عبر مواقع التواصل واستغلال المواقع لإنشاء الحسابات والقنوات المرئية التي تقدم محتوى معرفيّ يركز على الأطفال والقيم التي يجب أنّ يكتسبوها عبر الرسوم المسلية والشخصيات المحببة لهم. فالطريقة الأنجح لزراعة المعلومة في عقل الناشئ هي عبر توظيفها فيما يحب مشاهدته والاحتكاك به وهو ما تفعله العديد من المواقع والمنصات التي تقدم محتوى معرفي وتربوي غنى بالقيم.
فتبرز هنا أهمية الترفيه في حياة الأطفال والتواصل مع الآخرين ومع أقرانهم وأترابهم، فمثلًا أثناء العطلة الصيفية يجب أنّ يبقى الطفل على اتصال بأصدقائه وزملاء صفه. هذا يبعث في داخله شعور الطمأنينة ويعزز قدرته على التواصل مع الآخرين.
كيف تفرض وسائل التواصل واقعًا سلبيًا على الأطفال والمراهقين؟
يعاني الأهل في عملية التربية في عصرنا الحديث فالطفل اليوم لم يعد كما كان عليه سابقًا، وكذلك أساليب التربية التي حدّثها التربويين لتتماهى مع العصر الحديث ومتطلبات التطور التكنولوجي. وتعتبر معاناة الأهل نابعة بشكلٍ كبير من السلبيات التي تفرضها مواقع التواصل على عملية تربية الأطفال وصحتهم النفسية والعقلية.
لقد فرض التأثير المباشر لشبكات الانترنت نفسه على الواقع المدرسي والدراسي للطفل، فالساعات الطويلة التي يقضيها الطلاب على مواقع التواصل منهمكين في تصفح المواقع الترفيهية وبعض المواقع ذات المحتوى الفارغ تأخذ من وقتهم الدراسي وعملية التحصيل العلمي مما يؤدي الى انخفاض مستواهم الدراسي والتعليمي. هذا بالإضافة الى السماح بالهواتف الخليوية في المدارس والصفوف ما قد يشغل بال الطلاب ويأخذ تركيزهم الى أماكن معاكسة لما يجب أنّ يكتسبوه.
الشعور بعد الرضا عن النفس بسبب المعايير التي تفرضها المواقع ويتبناها المؤثرون، ويأتي هذا كعبءٍ على المراهقين مما سيؤثر على صحتهم النفسية بسبب النفور من أشكالهم أو حياتهم أو طريقة عيشهم. هذا ما أكدت عليه دراسة أجرتها جامعة كامبريدج في بريطانيا والتي ربطت بين استخدام المواطنين لمواقع التواصل الاجتماعي ومستوى شعورهم بعدم الرضا عن حياتهم، وتتفاوت هذه النسبة بحسب الجنس ولكنها تتبلور في المراحل الأولى من المراهقة.
قضاء وقت طويل أمام الشاشة والوقت الضائع في تصفح المواقع يؤثر على الصحة النفسية للأطفال وقد يجعلهم أكثر عرضةً للتعامل مع أشخاص غرباء والوقوع في الفخ التي قد تنصبها بعض الشبكات والخلايا للأطفال. بالإضافة إلى الانخراط في مجموعاتٍ قد تبث في عقولهم أفكارًا تنافي القيم التي تربوا عليها، وقد تدفعهم لتجريب الخدع التي يشاهدونها على مواقع كالتيكتوك، والتي قد تعرض حياتهم للخطر.
رقابة الأهل ضرورية
دور الأهل لتفادي مخاطر مواقع التواصل الاجتماعي أساسي فالطفل دون السن القانون لا يزال يحتاج الى رقيبٍ فلا يمكن ترك الهواتف في ايدي الأطفال والمراهقين، ثم التذمر من أثرها عليهم. وهذا لا يعني عدم السماح لهم باستخدامها ولكن ترشيد الاستخدام بشكلٍ يحد من المخاطر ومن التأثير السلبي لها، وتحفيزهم على القيام بأنشطة رياضيّة وممارسة هواياتهم.
من الضروري اتباع قواعد صارمة للتعامل مع الأطفال، فمن غير المنطقي أنّ تجد ابن السنوات العشر ناشط على حسابات التواصل الاجتماعي، لذلك يمنع بعض الأهل أطفالهم من انشاء حسابات على مواقع التواصل قبل سن الـ13 عامًا عندما يصبح سن الطفل مناسبًا للاشتراك في التطبيقات. كما وأنّ ملأ وقت الطفل بنشاطات عائلية وترفيهية يجعله تلقائيًا غير مهتم بمواقع التواصل حتى أنّها تصبح شيئًا جانبيًا لا يؤثر عدم وجودها على حياته.
كيف تتعامل الشركات المطوّرة للمواقع مع تواجد الأطفال عليها؟
تفرض شركات مثل ميتا المالكة لفايسبوك وانستغرام، وهما الموقعان الأكثر استخدامًا تحديد عمر معين لإنشاء الحسابات عليها، لكن يتلاعب بعض الأطفال بأعمارهم للتواجد على هذه المواقع ما يفرض ضرورة زيادة الرقابة وتطوير خصائص جديدة للتعامل مع الأطفال والحد من تواجدهم على هذه المواقع.
في هذا السياق، حدثّت اندرويد وغوغل خاصية تسمى «حساب الطفل» مع «رقابة الأهل» وهي التي لا تسمح للطفل بتحميل التطبيقات على هاتفه أو التابلت الخاص به دون إذنٍ من أحد والديه، ما يخول الأهل مراقبة ما يشاهده أطفالهم وما يفعلوه عند استخدام الالكترونيات. وفي خطوة مشابهة، خصصت «نيتفليكس» حسابات أو غرفًا خاصة بالأطفال تحتوي على البرامج والمسلسلات والأفلام الخالية من مشاهد العنف والمشاهد الغير لائقة.