النزوح المدرسي بين القطاعيْن المَأزوميْن في تقلِّبٍ واشتداد
الجمعة 11 آب 2023
عامًا بعد عام تتجدّد الاشتباكات في المشهد التعليمي بين حقوق المعلمين والطلاب وقدرة الأهالي من جهة، وبين الوضع الاقتصادي المُهرول نزولًا، والدولة والمؤسسات التربوية الخاصة من جهةٍ ثانية. وعلى وقع الآلام التربوية تعزف المدارس الرسمية ألحان صرخاتها للمطالبة بحقوقها وحقوق معلميها الذين ما برحوا ومنذ زمنٍ طويل يناضلون في سبيل تحصيل حقوقهم، أما المدارس الخاصة فأقساطها ذي صوتٍ يصعب سماعه بفعل ارتفاعاتٍ شاهقة، تحطًّ بالأثقال على أكتاف أهالي الطلاب وتخطُّ عن قصدٍ أو غير قصد حرمانًا للعديد من الطلاب من حقهم في التعلم والدراسة. وأمام هذا الواقع يحار الطالب العاجز عن تخمين مستقبله وأي الأبواب يطرق لتحقيق أحلامه.
أفاد النقابي التربوي محمد قاسم موقع الطالب قائلًا أنًنا «أمام أزمة جدية وحقيقية ومصير التعليم في لبنان بات مجهولاً إن كان في القطاع العام أو القطاع الخاص. لكن كل قطاع له ظروفه وله واقعه وأزماته، وبالتالي لابد من ملاحظة ظهور التراجع في مستوى التعليم في لبنان، والذي يؤشر إلى تراجع كبير في مستوى العطاء من جهة، ومستوى التحصيل ومستوى الطلاب عندما يلتحقون بالتعليم الجامعي من جهة أخرى». وأضاف بأن «أزمة التعليم الرسمي أعمق بكثير من أزمة التعليم الخاص، كون المدارس الرسمية مرتبطة بالدولة».
تعقيد مسألة التعليم الرسمي والخاص يعود بأزمة النزوح إلى الواجهة، فالتعليم الرسمي المتعلِّق بالدولة يصعب حلُّه لأن أسبابه سياسيّة بحسب قاسم، لذا يرتبط الانفراج في هذه المسألة بالاستقرار السياسي في البلد، والحديث عن استقرارٍ من هذا النوع في بلدٍ مثل لبنان أمرٌ غير معقولٍ الآن. وهنا يشرع ذوي طلاب التعليم الرسمي بالتفكير في الانتقال نحو القطاع الخاص من أجل تحصيل علميٍّ أعلى، ذلك لأن المدارس الرسمية ترزخ تحت وطأة إضرابات واعتصامات الأساتذة الذين لم يتلقّوْا حقوقهم حتى الآن. أضف إلى ذلك أن الثقة بالمدارس الرسمية باتت منزوعة، ولإعادتها يتطلّب الأمر «أولًا احترام كرامة الأستاذ وتأمين معيشته بكرامة»، كما صرَّح سابقًا مدير عام وزارة التربية عماد الأشقر لموقع العهد الإخباري في أيار/ مايو، لأنه وبحسب قوله لا يستطيع أن يمارس المعلم مهنة التعليم و«الجوع» تسلّل الى أولاده.
وبالربط بين أزمة التعليم الرسمي والدولة فإن الضرب المدروس للمدارس الرسمية كما يعبِّر عنه النقابي قاسم، يسلِّط الضوء على دعم السلطات الرسمية للمدارس الخاصة عوضًا عن تثبيت دعامات المدارس الرسميّة. فكما أفاد قاسم أن هذا القطاع عانى من تدني في مستوى عطائه، وتراجع في التزام الأساتذة في الالتحاق بالتعليم القسري، أي أنهم انقطعوا مجبرين عن التعليم، وهذا أدى إلى فكرة أساسية هي أن الأهل بدأوا يفكرون بالانتقال من المدرسة الرسمية إلى المدرسة الخاصة، في الوقت التي كانت فيه عملية النزوح من الخاص إلى الرسمي قائمة بشكل متواتر قبل أزمة عام 2019، وبالتالي شهد التعليم الرسمي حينها ارتفاعًا بعدد الطلاب الملتحقين فيه، وانخفاضًا في مستوى التعليم الخاص.
هذا الواقع دفع بالسلطة السياسية أن تسرع لرصد اعتمادات إنقاذية بحجة دعم التعليم الرسمي، ففي العام 2021 رصدت السلطة السياسية 500 مليار ليرة لبنانية للتعليم في لبنان، خصصت منها «350 مليار للمدارس الخاصة» و«150 مليار للمدارس الرسمية»، حكمًا المدارس الخاصة استطاعت أن تحصل على مبالغ لكن، لم يتبين لنا كيف أُنفقت الـ 150 مليار للمدارس الرسمية التي بقيت عاجزة عن توفير الظروف الحقيقية للتعليم فيها.
أما المدارس الخاصة فقضيتها تختلف بعض الشيء، فهذا القطاع له مؤسساته وجمعياته وحتى أفراده التي ينتمي إليها، لذا لم يُلزم القطاع الخاص نفسه بالقانون 515، وتحديدًا المدارس ذات المستوى العالي كما يقول قاسم، فهي تجاوزت هذا القانون الذي ينظم موازنة المدارس الخاصة، ويفرض أن يشكل راتب المعلم 65% من قيمة القسط المدرسي، ويترك الـ 35 % الأخرى لملحقات حول تسيير المدرسة وتشغيلها.
وفي هذا الشأن يُضيف «لم تلتزم المدارس الخاصة برفع الرواتب بهذا الشكل بل فرضت سياسة جديدة لم نعهدها سابقًا – ولم تتمكن وزارة التربية ولا السلطة السياسية من لجمها- بأن فرضت دولرة الأقساط المدرسية بشكل أنها أعجزت أهالي طلاب المدارس الرسمية من إرسال أبنائهم، والالتحاق بالمدارس الخاصة».
وبالنسبة للمدارس الخاصة الأقل مستوى من المذكورة أعلاه فواقعها كواقع المدرسة الرسمية، حيث لا زال الاستغلال الكبير لأفراد الهيئة التعليمية فيها، فالمدرسة الخاصة الآن تخرق القوانين، تستفيد من الظروف السياسية وتفرض الدولار بشكل رهيب ومرتفع جدًّا، بحيث أن الشكاوى من الأهالي كبيرة جدًّا، ولجان الأهل عاجزة عن مواجهة القدرة التي تتمتع بها هذه المدارس والمغطاة من السلطات السياسية، لأن لكل مدرسة من هذه المدارس، خاصة التابعة للجمعيات الدينية وللإرساليات، مرجعيات سياسية تحميها، وبالتالي فرضت الدولار بدون أن توزع هذه الزيادات التي فرضتها على أفراد الهيئة التعليمية.
لذا في هذه الحال يتم النزوح من المدارس الرسمية باتجاه المدارس ذات المستوى المتدني في القطاع الخاص، تلافيًا للتكاليف وهربًا من الاضطرابات الدائمة والمتكررة في المدارس الرسمية المشلولة والعاجزة عن تقديم الخدمات التعليمية كما في السابق، مع الإشارة بأن سقوط المدرسة الرسمية يعني سقوط التعليم، وتعثّرها يوصل إلى طبقيِّته. وهذا ما يجبر الجميع على السعي نحو العمل الجاد لإصلاح الوضع التعليمي حمايةً للتعليم في لبنان بعيدًا عن المصالح السياسية والمالية وغيرها.
أما النزوح من المدارس الخاصة إلى الرسمية فلن يكون إلا من قبل أولئك الذين لا يستطيعون إلى المال سبيلًا، فبحسب المصادر في العام 2021-2022 نزح نحو 50 ألف تلميذ الى التعليم الرسمي، وعندما حدثت الإضرابات العام الماضي نزح نصفهم الى التعليم الخاص. كما أن استمرار هذا الوضع الصعب ينذر بارتفاع خطر التسرب المدرسي.
وبما يتعلّق بدور الأهالي في المدارس الرسمية فهو شبه معطَّل، «فصحيح أنه يوجد مجالس أهل، ويوجد اختيار، لكن الاهتمام أو التحفيز للأهالي ليشكلوا الحصانة الحقيقية للمدرسة الرسمية غير متوفر، والقضية متروكة لمبادرات المديرين، ولبعض الهيئات الأهلية التي تقف إلى جانبها».
وأردف قاسم بأن العام القادم «عام صعب، ليس من السهل إطلاقه» في هذا الواقع الإقتصادي المالي التربوي، وبما يحصل حاليًّا في المناهج، وقال «أعتقد أنه هناك صعوبة كبيرة خصوصًا أن كل الأساتذة سواءً في التعليم الثانوي أو الابتدائي الرسمي، شعروا أنهم بقوْا مجردين من كل قدرة على مواجهة الظروف المعيشية، بعد الوعود التي أُعطيَت لهم حول بدل النقل، الحوافز، إعادة النظر في الرواتب والتقديمات، وخصوصًا في تعاونية موظفي الدولة والغطاء الصحي لهم ومعاناتهم، نتيجة عدم رصد الاعتمادات الكافية لتعاونية موظفي الدولة، رغم كل الجهود التي يقوم ببذلها مدير عام التعاونية والموظفين، إذًا فالعام القادم صعب، مسألة النزوح ظاهرةٌ ومتقلِّبة، والمعنيّون ابتداءً من وزارة التربية بالمباشر، والحكومة والمجلس النيابي في غياب مطلق والتي تتجلى من خلال الوعود العالقة منذ مدة .بينما الأساتذة، الطلاب وأهاليهم يعيشون التخبًّط والضياع أمام مستقبلٍ مجهول، وعدم وجود حلول جذرية تُقوِّم الطريق نحو مستوى تعليميٍّ راقٍ، ومستوى معيشيٍّ كريمٍ يليق بالمعلِّم والطّالب».