موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

تعرّف على المراحل الأولية في حياة الطفل: الحجر الأساس في اكتسابه للغات

الثلاثاء 06 حزيران 2023

اللغة هي العمل العقلي الأول الذّي يقوم به الطفل وتعد المحرك الأول للنشاطات الذهنية لدى الأطفال الذين يكتسبونها من محيطهم ليطوروها فيما بعد. ويختلف اكتساب اللغة بين طفلٍ وآخر نتيجة لاختلاف الشخصيات والاستجابات لدى الأطفال واختلاف البيئة التي يترعرعون فيها فاللغة ترافق نمو الطفل العقلي والسلوكي بحيث أنّها الانعكاس الأول والتفاعل الأول للطفل مع أهله وبيئته.
في المراحل التي تسبق المدرسة، يسعى الأهل الى تعليم أولادهم لغة ثانية إلى جانب لغتهم الأم لجهة تطوير قدراتهم اللغوية ولأنّ الطفل قادرٌ على حفظ مكتسباته في عمرٍ صغيرٍ ما يرسخها لوقتٍ أطول، لذلك ينشأ بعض الأطفال وهم يتحدثون لغة ثانية غير لغتهم الأم بطلاقة ويستجيبون لها بسهولة. علمًا أنّ الأطفال يولدون بقدرة عالية على اكتساب اللغة الثانية في السنوات الأولى من الحياة.
مراحل اكتساب اللغة لدى الأطفال
المرحلة الأولى: مرحلة ما قبل اكتساب اللغة
تعتبر هذه المرحلة الأولية لاكتساب اللغة وتبدأ منذ الولادة وحتى الأسبوع الثامن من عمر الطفل وتنقسم الى ثلاثة أقسام:
الصّراخ: الصراخ والبكاء هي أفعال يقوم بها الأطفال فور ولادتهم وهي طريقة للتعبير عن النفس وعن الحاجة مثل الجوع والألم والتعب.
المناغاة: يبدأ الطفل بالمناغاة منذ الشهر الرابع أو السادس وحتى السنة من عمره بالعادة وتختلف عن الصراخ والبكاء وهي تدل على سلامة جهاز الطفل السمعي اللفظي.
المحاكاة: تبدأ مرحلة المحاكاة بعد الشهر التاسع من عمر الطفل، وهو عندما يبدأ الطفل بنطق الأحرف والكلمات مع وجود فوارق فردية بين طفلٍ وآخر.
مرحلة الكلام المفهوم
تبدأ هذه المرحلة لعد السنة الأولى من عمر الطفل، حيث يفهم الطفل معاني الكلمات التي يلفظها ويستخدم عناصر الربط السليمة فيها، وتنقسم هذه المرحلة الى ثلاثة أقسام:
• مرحلة التعابير الأحادية:
تبدأ هذه المرحلة من الشهر الثامن عشر الى عمر السنتين، حيث يلفظ الطفل كلماتً فردية للإشارة الى ما يريده ويتحدث معه.
• المرحلة النحوية:
تبدأ من عمر السنتين وحتى الخمس سنوات، فيبدأ الطفل بفهم قواعد اللغة وتركيب جمل لوحده بحيث أنه أصبح قادرًا على فهم قواعد اللغة وفهمها.
• المرحلة المتقدمة:
تبدأ من عمر الخمس سنوات في العادة وهي عندما يصبح كلام الطفل واضحًا ومفهومًا مع استخدام الضمائر والدلالات الصحيحة.

تعليم اللغة الثانية ضروري في مرحلة ما قبل المدرسة
أثبتت الدراسات الحديثة أنّ الأطفال يكتسبون اللغة بشكلٍ أسرع في أعمار صغيرة حيث أنّهم يستفيدون من التعليم ثنائي اللغة في المراحل الأولى من مراحل اكتساب اللغة المذكورة أعلاه. ولأن اللغة عمل عقلي يتأثر بالمحيط والسلوكيات تعتبر المحفز الأول للطفل للقيام بالمهام العقلية والذهنية، بحيث يصبح هؤلاء أسرع من أقرانهم أحاديي اللغة.
بالإضافة الى أنّ الأطفال ممن يكبرون في منزل ثنائي اللغة تتطور وظائفهم العقلية التنفيذية لأنّ الدراسات الحديثة أثبتت قدرة الرضع الذّين ينتمون لوالدين يتحدثان لغتين أو يتحدث كل منهما لغةً معينة يستجيبون بشكل أسرع للحديث فتنشط في أدمغتهم المناطق الخاصة بالأنشطة الذهنية قبل أنّ يبدؤوا بالكلام.
لكن تعليم الأطفال لغة ثانية يعتبر موضوعًا جدليًا للأهل والتربويين، فينقسم هؤلاء بين مؤيد ومعارض، والذّين يزعمون أنّ هذ الأسلوب يؤدي الى تشويش الطفل وعرقلة عملية تعلمه للغته الأم. وهو ما بتعارض مع الأبحاث التي أكدت أنّ تعلم اللغة الثانية في عمرٍ صغيرٍ ينمي مهارات الطفل الإدراكية.

ما هي الطريقة الأمثل لتعليم الطفل اللغة؟
تعتبر مرحلة ما قبل المدرسة من أهم المراحل العمرية للأطفال في عملية اكتساب اللغة الأم وكذلك تعلم لغة ثانية وذلك لأنّها تسمى مرحلة الاكتساب الغير منظمة فالطفل يحفظ ويقلد ما يسمعه وبعض المتلازمات الكلامية التي يقولها أهله، وهو ما يبلوّر قدرته على اكتساب اللغة أو اللغات التي يتحدث بها الأهل.
تكون عملية اكتساب الطفل للغات في هذه المرحلة أسرع لأن عملية التعلم فيها لا تكون إجبارية أو لا يكون فيها الطفل مجبرًا على تلقي المعارف ضمن إطارٍ مدرسيٍّ ممنهج وهو ما يجعل الطفل يستمتع أثناء اكتساب مهاراتٍ جديدةٍ. على سبيل المثال، الأطفال الذّين يشاهدون البرامج الكرتونية باللغة الإنكليزية في عمر الستتين يكونوا أكثر قدرة على التحدث وفهم اللغة الإنكليزية من غيرهم من الأطفال الذّين بدأوا بتعلم اللغة الإنكليزية في المراحل الدراسية الأولى.
فهم الكلمات ضروري جدَا في عملية اكتسابها وهو يسبق التحدث أو النطق لدى الطفل، وتختلف الاستجابة بين طفلٍ وآخر وهو ما يؤخر عملية النطق أو الفهم لدى طفل معين فتختلف عمليات التلقي والاستجابة والنطق، وأيّ خلل يحدث في أيّ عملية من هذه العمليات قد يكشف عن مشكلة لدى الطفل إمّا في الجهاز الفموي أو السمعي ويكون هذا الخلل أحيانًا خللًا عصبيًا يؤدي الى تأخر الفهم والاستجابة.
فاللغة هنا هي ليست فقط كلماتً مكتسبة أو جملًا ينشئها الطفل بل هي أيضًا من النشاطات العقلية والحسية الأولى التي تساعد على تحديد أي مشاكل أو متلازمات يعاني منها الطفل في عمر صغير. هنا يأتي دور الأهل في التعامل مع مراحل نمو الطفل لغويًا بدراية ووعي، عبر انشاء “يوميات” يدونون فيها مراحل التطور والاستجابة والنطق لدى طفلهم ومقارنتها مع المراحل الطبيعية للتطور لمعالجة المشكلة باكرًا والاستعانة بأخصائيين في هذه المجالات.
فلا يجب إهمال التطور اللغوي للطفل وقدرته على تعلم لغته الأم واللغات الأخرى، وذلك لأن المستوى التعليمي للطفل وسرعته في فهم وتحليل المواد الدراسية يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفهمه للغة ومراحل اكتسابها الأولية، ويعزز الثقة بالنفس لدى الطفل في المحافل الاجتماعية كالمدرسة وأماكن اللعب، بالإضافة الى أنّها تجعله قادرًا على التعبير عن نفسه وحاجاته بطريقة أفضل.