موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

كلفة النقل…لهذا توقفت عن الدراسة!

الأربعاء 12 نيسان 2023

يعيش اللبنانيون سنوات تعتبر الأصعب منذ تأسيس الجمهورية اللبنانية، حيث تزاحمت عليهم الويلات من كلِّ حدبٍ وصوب، ففي بلدٍ يتأرجح وفقًا لسعر صرف الدولار وانهيار عملته التي خسرت 90% من قيمتها، أصبحت المصائب كأسًا يتجرعه اللبنانيون يوميًا. منذ صيف 2021، أيّ خلال العام الثاني لأزمة الليرة التي خسر على أثرها 70% من المواطنين ودائعهم المصرفية، تصدرت المحروقات المشهد لتصبح مادة البنزين ذهبًا ينتظر المواطن دهرًا للحصول عليه حتى أعلنت الدولة رفع الدعم عن المحروقات، ومن ثم دولرتها لتصبح كلفتها عبئًا على المواطن.

 

ألقت هذه الأزمة بظلالها على القطاع التعليمي في البلاد، حيث تخطت كلفة النقل القسط المدرسي وحتى الجامعي في بعد الأحيان. فاعتمدت المدارس بغالبيتها مبدأ دولرت تسعيرة الباص المدرسي لتربطها ارتباطًا مباشرًا ببورصة المحروقات التي تتأرجح وفقًا لسعر صرف الدولار في السوق السوداء. أما المدارس التي قررت إبقاء تسعيرتها بالليرة اللبنانية، اعتمدت مبدأ يوم بيومه وهو ما يشكل ارباكًا للمدارس التي غدَت مجبرةً على اجراء تعديلات دوريّة على رسوم النقل إذا ارتفع الدولار أو ارتفعت أسعار المحروقات عالميًا.

 

النقل… قسطٌ فوق القسط

هذه التكلفة العالية، وبالتزامن مع قرار المدارس تقاضي جزءًا من مستحقاتها أو مستحقاتها كاملةً بالدولار الأميركي، فاقت قدرة العديد من أرباب الأسر في بلدٍ لا يتجاوز الحد الأدنى للأجور فيه ال 30 دولارًا، حيث يتوجب على الآباء دفع ما يتعدى ال 100 دولار شهريًا للطفل الواحد للحصول على خدمة النقل المدرسي.

هذا بالإضافة الى القسط المدرسي العالي للمدارس الخاصة وتعطل التعليم في المدارس الرسمية بسبب الإضراب المستمر للأساتذة الذّين يطالبون بزيادةٍ في بدل النقل ليتمكنوا من الوصول الى مدارسهم حضوريًا. مما دفع الآباء الى البحث عن حلول لتعليم أبنائهم في بلدٍ- أصبح فيه الكلمة حكرًا على الأغنياء، فقرر معظمهم نقل أولادهم في مدارس قريبة من أماكن سكنهم. أما الآخرون، فاعتمدوا مبدأ التوصيل الجماعي، أيّ نقل أولادهم وزملائهم الى المدرسة لتوفير جزء من سعر البنزين وتخفيف الأعباء عن عائلته.

 

كيف يصل الطلاب الى جامعاتهم؟

وسط إصرار الجامعات على اعتماد التعليم الحضوري للعام الدراسي 2022- 2023، يطالب الجامعيون بتخفيض عدد أيام الحضور فكلفة النقل من وإلى الجامعة تعادل ال 300 ألف ليرة لبنانية للتاكسي و100 الى 150 الف ليرة لباص النقل العمومي داخل مدينة بيروت و400 الى 600 الف ليرة لبنانية يوميًا للمناطق البعيدة أيّ ما يقارب 6 ملايين ليرة لبنانية شهريًا.

يشتكي طلاب الجامعات الخاصة تكاليف النقل الباهظة، بالإضافة الأقساط المستوجبة بالدولار الأميركي حصرًا، والتي أجبرت بعضهم على ترك جامعاتهم والنزوح الى الجامعة اللبنانية، التي تلفظ أنفاسها الأخيرة والتي تعيش على هامش أيّ إضرابٍ محتملٍ لأساتذتها الذّين لا تزال أوضاعهم على حالها دون معالجةٍ تُذكر.

بالنسبة لطلاب الجامعة الحكومية، يعاني هؤلاء من نقص المقومات الأساسية في الجامعة كالكهرباء والسكن الجامعي الخالي نتيجة اهمالٍ في عمليات الصيانة التي يزعم المعنيون أنّهم في صدد إنهائها. إلا أنّ السكن لا يزال حتى اليوم مغلقًا أمام الطلاب ممن انصاعوا لرحمة أصحاب المساكن الخاصة التي استغلت اغلاق السكن الجامعي لترفع أسعارها. فإذا أراد الشباب توفير كلفة النقل الى الجامعة واختاروا سكنًا جامعيًا خاصًا، بلغت كلفة هذ الآخر من 100 الى 200 دولار أميركي، دون ذكر الرسوم التشغيلية والمصاريف التي يتكبدها الطالب بعيدًا عن منزله.

في هذا الصدد، اختار بعض الطلاب التوقف عن الدراسة أو تغيير تخصصاتهم الجامعية وارتياد الجامعات القريبة من مساكنهم بسبب ارتفاع كلفة النقل وصعوبة إيجاد سكن جامعي بسعرٍ مقبولٍ ومواصفات جيدة. في الوقت الذّي ترفض فيه رئاسة الجامعة اللبنانية اعتماد الأونلاين كخيارٍ للتعليم في ظل مطالبة طلابية بتحويل التعليم الى مدمج أو أونلاين، خاصةً أولئك الذّين يأتون من مناطق بعيدة.

وعليه، تحُّول كلفة التنقلات دون انهاء الطلاب سنواتهم الدراسية، ما سيترك تداعياتً خطيرة على الجسم التربوي خصوصًا والمجتمع اللبناني عمومًا، فالتسرب الدراسي كافٍ لتدمير مستقبل بلدٍ رأسماله الطاقة الشبابية بعد أنّ انهارت جميع موارده الأخرى وأصبح شعبه في خضم دوامةٍ من الأزمات الخانقة.

ماذا يفعل هؤلاء الطلاب؟ كيف يكمل شباب لبنان تعليمهم في ظروفٍ ما برحت تعاكسهم أينما ذهبوا؟ وأين المعنيون عن هذه الأزمة؟