كيف نزرع حب التعلم لدى الطلاب بدل الاعتماد على الحفظ والتلقين
15 آب 2025
يُعد حبّ التعلّم من الركائز الأساسية لبناء شخصية الطالب المتوازنة والقادرة على التطور المستمر، إلا أنّ كثيرًا من الأنظمة التعليمية ما زالت تعتمد على الحفظ والتلقين بوصفهما الوسيلة الأساسية لاكتساب المعرفة. هذا الأسلوب قد يحقق نتائج مؤقتة في الامتحانات، لكنه لا يضمن فهمًا حقيقيًا ولا يرسّخ المعرفة على المدى البعيد. من هنا تبرز الحاجة إلى تغيير النظرة إلى التعلّم، وتحويله من واجب ثقيل إلى تجربة ممتعة قائمة على الفضول والاكتشاف.
يبدأ زرع حب التعلّم من داخل الصف الدراسي عبر خلق بيئة تعليمية آمنة ومحفّزة. فعندما يشعر الطالب بالاحترام والتقدير، ويُسمح له بطرح الأسئلة دون خوف من السخرية أو الخطأ، يصبح أكثر استعدادًا للمشاركة والتفكير. إن تشجيع الطالب على السؤال لا يقل أهمية عن تقديم الإجابة، لأن السؤال هو مفتاح الفهم العميق وبوابة التفكير النقدي.
يلعب المعلم دورًا محوريًا في الانتقال من أسلوب التلقين إلى أسلوب التعلّم النشط. فالمعلم الذي يقدّم المعلومة كحقيقة جاهزة للحفظ، يحدّ من تفاعل الطالب، بينما المعلم الذي يربط الدرس بحياة الطالب اليومية، ويطرح المشكلات ويشجّع النقاش، يحوّل الحصة إلى مساحة للتفكير والتفاعل. عندما يدرك الطالب أن ما يتعلمه له معنى وارتباط بواقعه، يزداد دافعه الداخلي للتعلّم.
كما يُعد تنويع أساليب التدريس من أهم العوامل التي تعزز حب التعلّم. فالاعتماد على الشرح النظري وحده يصيب الطالب بالملل، في حين أن استخدام الأنشطة التطبيقية، والعمل الجماعي، والتجارب، والوسائط التفاعلية، يجعل عملية التعلّم أكثر حيوية. هذه الأساليب تساعد الطالب على بناء المعرفة بنفسه، بدل تلقيها بشكل سلبي، مما يعزز الفهم ويقلل من الاعتماد على الحفظ الآلي.
التقويم أيضًا له دور أساسي في تشكيل موقف الطالب من التعلّم. فعندما يُختزل التقييم في امتحان يعتمد على الاسترجاع، يصبح هدف الطالب هو الحفظ المؤقت لا الفهم. أما عندما تُستخدم أساليب تقييم متنوعة مثل المشاريع، والعروض، والبحث، وحل المشكلات، فإن الطالب يُحفَّز على التفكير والإبداع، ويشعر بأن جهده وتفكيره محل تقدير، لا مجرد قدرته على التذكر.
ومن المهم إشراك الطالب في عملية التعلّم ومنحه دورًا فاعلًا فيها. فعندما يُتاح له اختيار موضوع مشروع، أو طريقة عرض فكرة، أو العمل ضمن مجموعة، يشعر بالمسؤولية والملكية تجاه تعلّمه. هذا الشعور يعزز الدافعية الذاتية، وهي الأساس الحقيقي لحب التعلّم المستمر.
ولا يمكن إغفال دور الأسرة في دعم هذا التوجه، من خلال تشجيع الفضول لدى الطفل، وعدم ربط التعلّم فقط بالعلامات والنتائج. فطرح الأسئلة في البيت، والقراءة المشتركة، ومناقشة ما يتعلّمه الطالب في المدرسة، كلها ممارسات تعزز نظرته الإيجابية إلى المعرفة. كما أن الابتعاد عن المقارنة بين الأبناء يساهم في بناء علاقة صحية مع التعلّم.
في عصر التكنولوجيا، يمكن توظيف الأدوات الرقمية بشكل ذكي لتعزيز حب التعلّم، لا لتحويله إلى عبء إضافي. فالمنصات التفاعلية، والفيديوهات التعليمية، والألعاب التربوية، عندما تُستخدم باعتدال وهدف، تساعد على تبسيط المفاهيم وجعل التعلّم أكثر تشويقًا. المهم هو توجيه الطالب إلى استخدام التكنولوجيا كوسيلة للفهم والاكتشاف، لا للحفظ السريع فقط.