موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

إرشادات للأهل لتطوير مهارات أطفالهم في التفكير النقدي وحل المشكلات

9 حزيران 2025

في عالم سريع التغيّر ومليء بالمعلومات المتدفقة، لم يعد دور الأهل مقتصرًا على تلبية الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، بل أصبح يتعدّى ذلك إلى بناء عقول قادرة على التحليل والتفكير واتخاذ القرار. ويُعدّ التفكير النقدي وحل المشكلات من أهم المهارات التي يحتاجها الطفل ليكون قادرًا على التكيّف مع التحديات الدراسية والحياتية، وهنا يبرز دور الأسرة كحاضنة أولى لتشكيل هذه القدرات منذ السنوات المبكرة.

يبدأ تطوير التفكير النقدي من البيت، من خلال البيئة التي يعيش فيها الطفل وطريقة تفاعل الأهل معه. فالطفل الذي يُسمح له بالتعبير عن رأيه، وطرح الأسئلة، ومناقشة الأفكار دون خوف من الخطأ، ينمو وهو أكثر ثقة بقدراته العقلية. لذلك، من المهم أن يتعامل الأهل مع أسئلة أطفالهم بجدية، حتى وإن بدت بسيطة أو متكررة، لأن السؤال هو المدخل الأساسي للتفكير النقدي.

الحوار اليومي داخل الأسرة يشكّل أداة فعالة في تنمية التفكير والتحليل. عندما يشارك الأهل أطفالهم نقاشات حول أحداث يومية، قصة قرأوها، أو موقف مرّوا به، ويطرحون أسئلة مثل ماذا تعتقد؟ ولماذا تصرّف الشخص بهذا الشكل؟ وما الحل الأفضل برأيك؟ فإنهم يدربون الطفل على الربط بين الأسباب والنتائج، وعلى النظر إلى الأمور من زوايا مختلفة. هذه الحوارات لا تحتاج إلى تعقيد، بل إلى استمرارية واهتمام حقيقي بآراء الطفل.

اللعب أيضًا يُعد وسيلة أساسية لتطوير مهارات حل المشكلات، خاصة في مراحل الطفولة المبكرة. الألعاب التي تتطلب التفكير، مثل الألغاز، المكعبات، الألعاب التركيبية، وألعاب الأدوار، تساعد الطفل على التخطيط، التجربة، الفشل، ثم المحاولة من جديد. ومن المهم أن يترك الأهل مساحة للطفل ليحل المشكلة بنفسه، بدل التدخل السريع لتقديم الحل، لأن التجربة الذاتية هي ما يرسّخ التعلم الحقيقي.

كما أن تشجيع الطفل على الاستقلالية في اتخاذ القرارات اليومية يعزز قدرته على التفكير النقدي. يمكن للأهل، على سبيل المثال، أن يتيحوا للطفل اختيار ملابسه، تنظيم وقته، أو تحديد الطريقة التي ينجز بها واجباته، مع تقديم الإرشاد عند الحاجة دون فرض السيطرة. هذا الأسلوب يساعد الطفل على تحمّل مسؤولية قراراته، وفهم نتائجها الإيجابية أو السلبية.

القراءة المشتركة تلعب دورًا محوريًا في بناء عقل ناقد. فقراءة القصص ثم مناقشة أحداثها وشخصياتها ونهاياتها المحتملة توسّع خيال الطفل، وتعلّمه تحليل المواقف واستخلاص الدروس. ويمكن للأهل أن يسألوا الطفل عن رأيه في تصرفات الشخصيات، أو كيف كان سيتصرف لو كان مكانها، مما يعزز مهارات التفكير والاستنتاج.

من جهة أخرى، يجب أن يكون الأهل قدوة في التفكير النقدي. فالطفل يتعلم بالملاحظة أكثر مما يتعلم بالتوجيه المباشر. عندما يرى الطفل والديه يحلّلان الأمور بهدوء، يناقشان الاختلافات باحترام، ويعترفون بأخطائهم ويتعلمون منها، فإنه يكتسب هذه السلوكيات تلقائيًا. لذلك، من الضروري أن يُظهر الأهل مرونة فكرية وانفتاحًا على الآراء المختلفة.

ولا يمكن إغفال أهمية تقبّل الخطأ كجزء طبيعي من عملية التعلم. فالطفل الذي يخاف من الخطأ يتجنب المحاولة، بينما الطفل الذي يُشجَّع على التجربة، حتى لو أخطأ، يطوّر قدرته على التفكير وحل المشكلات. دور الأهل هنا هو دعم الطفل نفسيًا، ومساعدته على فهم ما حدث وكيف يمكن تحسين النتيجة في المرة القادمة، بدل التركيز على اللوم أو العقاب.

في الختام، إن تنمية مهارات التفكير النقدي وحل المشكلات لدى الأطفال ليست مهمة آنية أو مرتبطة بعمر محدد، بل هي عملية تراكمية تبدأ من البيت وتستمر مع الطفل طوال حياته. وكل جهد يبذله الأهل في هذا الاتجاه ينعكس إيجابًا على شخصية الطفل، ثقته بنفسه، وقدرته على مواجهة تحديات المستقبل بعقل واعٍ ومتوازن.