إضراب الجامعة اللبنانية... أزمة تمثيل وحقوق على المحك
السبت 12 نيسان 2025
تتوالى الأزمات في الجامعة اللبنانية، فتتجاوز حدود المطالب المعيشية إلى ما هو أعمق: أزمة تمثيل نقابي وانقسام داخلي يُهددان وحدة العاملين وقدرتهم على الدفاع عن حقوقهم في مؤسسة تُعدّ العمود الفقري للتعليم العالي الرسمي في لبنان.
ففي وقتٍ كان يُنتظر أن تُترجم التحركات النقابية إلى نتائج ملموسة في ملف تحسين العقود وضمان الحقوق الأساسية للمدرّبين والموظفين، جاء قرار مفاجئ من الهيئة التنفيذية لرابطة العاملين بفك الإضراب المفتوح، ما شكّل صدمة في الأوساط النقابية والحقوقية، وفتح بابًا واسعًا على الانقسام والتشكيك بشرعية القرار وشفافية آليته.
قرارٌ من دون إجماع… واتهامات بالخروج عن النظام الداخلي
قرار فك الإضراب، الذي صدر بعد اجتماع عُقد بمن حضر من أعضاء الهيئة التنفيذية، أثار غضبًا واسعًا بين الموظفين والمتعاقدين، لا سيما أن الاجتماع عُقد بغياب النصاب القانوني المطلوب بحسب النظام الداخلي. فقد حضر الاجتماع 13 عضوًا من أصل 17، بينما انسحب اثنان قبل التصويت، ما يعني أن القرار صدر بأغلبية لا تستوفي شروط التصويت الصالح، بحسب ما أشار عدد من المندوبين.
الأزمة بلغت ذروتها مع إعلان استقالة عدد من المندوبين، اعتراضًا على تجاهل مطالب القاعدة النقابية، وخرق الأعراف الديمقراطية التي يفترض أن تحكم عمل الرابطة، خصوصًا في قضايا مفصلية كقرار تعليق الإضراب، الذي جاء رغم استمرار الأسباب التي أدّت إلى اندلاعه أساسًا.
عقود جديدة… بـ”ألفاظ قديمة”؟
في موازاة الغضب من قرار فك الإضراب، تفجّرت أزمة موازية تتعلّق بمضمون العقود التي فرضتها الجامعة على المدربين والموظفين المتعاقدين. فقد صدر القرار الإداري رقم 27، الذي استحدث ما يسمى بـ”وحدة الساعة” بدلاً من “ساعة العمل”، ما اعتُبره كثيرون تحايلاً لغويًا يرمي إلى شرعنة تحميل الموظف أعباء عمل تفوق ما يُدفع له من أجور.
الاعتراض لم يكن فقط نقابيًا، بل بلغ الأروقة القضائية. فقد تقدم محامون بطعن رسمي أمام مجلس شورى الدولة، مستندين إلى أحكام سابقة تؤكد أن العمل من دون أجر يناقض الدستور وشرعة حقوق الإنسان. وتبيّن أن الاستشارة التي زُعم أن رئاسة الجامعة حصلت عليها من شورى الدولة، وجرى الترويج لها كأساس قانوني للقرار، لا تعكس رأي المجلس الحقيقي، الذي أوصى بعدم تنفيذ العقود بصيغتها الحالية.
سُخرة مقنّعة؟
واقع الحال يشير إلى أن أكثر من 1500 موظف متعاقد باتوا يُجبرون على تنفيذ ساعات عمل تتجاوز 1800 ساعة سنويًا، بينما يتقاضون أجرًا لا يتجاوز 750 ساعة كحد أقصى. هذا الخلل، الذي يشبه نظام “السخرة الحديثة” بحسب وصف بعض المدربين، لم يلقَ حتى الآن معالجة جدية، رغم كل الوعود الرسمية ومشاريع القوانين المقترحة.
تصعيد من القاعدة… وبيانات متضاربة
رغم إعلان الرابطة تعليق الإضراب بحجة أن بعض المطالب قد أُنجزت، وأن الباقي في طريقه إلى التحقق، ردّ المندوبون المعترضون ببيان لاذع وصفوا فيه الهيئة التنفيذية بـ”البقايا”، متّهمين إياها باتخاذ قرارات أحادية لا تمثّل تطلعات القاعدة العريضة من العاملين.
وأكد البيان أن ما تحقق هو مجرد وعود مبهمة، وأن فك الإضراب في هذه المرحلة يُفقد التحرك زخمه، ويفتح الباب أمام التراجع عن المكاسب التي جرى التلويح بها. ودعا المندوبون إلى العودة إلى المؤسسات النقابية الشرعية، وعقد اجتماع موسّع لمجلس المندوبين لاتخاذ القرار المناسب بشكل ديمقراطي وشفاف.
بين الإصلاح والمحاسبة
ما يجري اليوم في الجامعة اللبنانية ليس مجرد خلاف نقابي عابر، بل هو اختبار لمدى قدرة الجسم التربوي على حماية حقوقه وسط التحديات الاقتصادية والسياسية التي تخنق كل مؤسسات الدولة. فالأزمة لا تُختزل في الأجور والعقود فقط، بل تمتد إلى أزمة ثقة بين القاعدة والقيادة، وأزمة تمثيل نقابي تهدّد بفقدان البوصلة في صراع وجودي حول الكرامة والعدالة والحق في العمل.