تأثير التكنولوجيا على التطور في أشكال الحروب
الأربعاء 6 كانون الأول 2023
رغم كره الإنسان للحرب، فإن الطبيعة البشرية والتفاعلات المختلفة بين الدول والثقافات والحضارات تفرز العديد من تضارب المصالح، والتي قد تؤدي بدورها إلى الحرب التي تُعَد من الظواهر المعقدة التي تحتاج إلى عمق كبير في الدراسة والتحليل، لأنها تتأثر وتتبدل أدواتها ووسائلها بمتغيرات كثيرة، وقد عبَّر المفكر الاستراتيجي «كارل كلاوزفيتز» عن ذلك بعبارته الشهيرة «كل عصر له نوعه الخاص من الحرب، وظروفه المحددة، وأفكاره الخاصة». ويتأثر التغير في شكل الحرب بعدد كبير من العوامل، من أهمها التطور التكنولوجي، خاصة مع استخدام الذكاء الاصطناعي، وستسعى هذه الورقة إلى استشراف الشكل المستقبلي للحروب في ضوء التطور التكنولوجي في منظومات التسليح، وأيضًا مع تنامي التكنولوجيا في القطاعات المدنية، والتي أصبحت أهدافًا للحرب، لما لها من تأثير كبير على الدولة المستهدَفة.
يُعَد التطور في منظومات التسليح من أهم العوامل التي تؤثر على التغير في شكل الحرب على المستوى الاستراتيجي، وأيضًا على أسلوب المناورة في مسرح العمليات، وتُعَد تطبيقات الذكاء الاصطناعي على اختلاف أنواعها، وكذلك تطور أسلحة الاستهداف عن بُعد من مسافات كبيرة -منها على سبيل المثال الأسلحة الفرط صوتية (Hypersonic)- من أهم المتغيرات التي يجب دراستها في هذا السياق.
تطورت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بشكل كبير في المجالات المدنية والعسكرية؛ ولذلك أصبحت عاملًا حاسمًا في حروب المستقبل، وفي ضوء ذلك تستطيع الهجمات المخططة والمنفذة وفق هذه الأنظمة إطلاق أسلحة حقيقية أو إلكترونية تلقائيًّا، واتخاذ قرار الهجوم قبل أن ترصده المنظومات التقليدية، وتستطيع أنظمة الذكاء الاصطناعي رصد وتتبع الأهداف أسرع من مقدرة الإنسان، فعلى سبيل المثال، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي شن هجوم بطائرة بدون طيار على هدف معين، ومتابعة ومراقبة ردود أفعال الهجمات المضادة من طائرات العدو، وإطلاق هجوم على تلك الطائرات في زمن أقل بكثير من المنظومات التقليدية، بالإضافة إلى القدرة العالية على تحليل عدد كبير جدًّا من الأهداف في وقت واحد، وتحديد أولويات ضربها.
ومن المتوقّع مستقبلًا انتشار الأسلحة المدمرة/الفتاكة ذاتية التحكم Lethal Autonomous Weapons-LAWs، مثل الروبوتات العسكرية المستقلة، والطائرات بدون طيار المتطورة، وأيضًا ما يماثلها من القطع البحرية على اختلاف أنواعها، مثل الغواصات، ومختلف الأسلحة التي تعمل على الأرض، وسيؤدي ذلك إلى زيادة التحديات القانونية والأخلاقية في الحرب في حالة تفويض قرار التدمير إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي (سواء أكانت منظومات القيادة والسيطرة واتخاذ القرار، أو الأسلحة ذاتية الحركة نفسها، أو كلتيهما)؛ لا سيما وأن التطور في أسلحة الذكاء الاصطناعي يسبق التشريعات والقوانين الدولية (خاصة القانون الدولي الإنساني).
سيعمل الذكاء الاصطناعي أيضًا على زيادة سرعة تطوير منظومات التسليح (حيث قد تعتمد مصانع السلاح على الذكاء الاصطناعي وليس البشر والحاسبات التقليدية)، وفي ضوء ذلك، فإن امتلاك الدول منظومات تسليح سريعة التطور يُكسِبها قوة ردع ضد أي هجمات معادية، ولكن على الجانب الآخر من الممكن أن تصبح أنظمة الذكاء الاصطناعي ذاتها هي الأطراف المتحاربة، بل ومن الممكن أن تكون طرفًا قويًّا في حرب ضد البشر.
تأثير التكنولوجيا على تطور الأسلحة الفرط صوتية (Hypersonic)
تُقسَّم نطاقات السرعات طبقًا لرقم الماخ (النسبة بين سرعة الصاروخ أو الطائرة وبين سرعة الصوت) إلى سرعات أقل من الصوت (Subsonic) وهى تقل عن (0.8) ماخ، وسرعات (Transonic) وهي التي تتراوح بين (0.8) و(1.2) ماخ، وأعلى من الصوت (Supersonic) وهي بين (1.2) و(5) ماخ، والفرط صوتية (Hypersonic) من (5) إلى (10) ماخ، والفرط صوتية العالية (High-hypersonic) وهي من (10) إلى (25) ماخ، وأكبر من (25) ماخ يطلق عليها (Re-entry speeds) (1)، وقد ظهر سباق التسلح في هذا المجال واضحًا ومتناميًا بشكل كبير بين الدول لامتلاك الأسلحة الفرط صوتية (Hypersonic)، وأبرزها الدول الآتية:
الولايات المتحدة الأمريكية
تُعَد الولايات المتحدة الأمريكية من الدول المهتمة بتطوير الأسلحة الفرط صوتية، فعلى سبيل المثال، طور الجيش الأمريكي منظومة الضربة العالمية الفورية (Prompt Global Strike -PGS)، وهذه المنظومة تعتمد على الأسلحة الفرط صوتية، خاصة الصواريخ والطائرات التي تحمل هذه الأنواع لضرب أي مكان في العالم في أقل من ساعة واحدة، وطُوِّرَت لتُطلَق من الأرض أو الطائرات أو بعض القطع البحرية ، وتتزايد المخاوف الأمريكية بشكل كبير مع تطوير روسيا والصين للأسلحة الفرط صوتية، وإمكانية دمجها مع القدرات النووية.
روسـيـــــــا
كشف الرئيس الروسي، في مارس 2018، عن 6 أسلحة استراتيجية جديدة منها الصاروخ الفرط صوتي (AVANGARD)، وأعلنَ وزير الدفاع الروسي دخوله في الخدمة في ديسمبر 2019 ، وقد نُشِر قبل ذلك الصاروخ الفرط صوتي (Kinzhal) بسرعة أكثر من 10 ماخ . ومن المنتظر أن تستمر روسيا في تطوير الأسلحة الفرط صوتية؛ لمواجهة التقدم الأمريكي والحفاظ على الردع النووي.
الصـــيــــــــن
تمتلك الصين الصاروخ الفرط صوتي(Dong Feng-17) والذي يمكنه حمل رؤوس تقليدية أو نووية، كما نفَّذت سبعة اختبارات بين عامي 2014 و2016 لرادار الدفاع الصاروخي على الارتفاعات المنخفضة (5)، وتمتلك أيضًا الصاروخ (Dong Feng-41) وطبقًا لما أُعلِن فإن سرعته تبلغ 25 ماخ، ويتراوح مداه بين 12 ألف كم و15 ألف كم، وبالتالي يمكنه أن يصل إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال 30 دقيقة.
1. التأثير على الحروب التقليدية
تطبيق مبادئ الحرب: سيؤدي استخدام الأسلحة الفرط صوتية إلى سهولة تطبيق مبادئ الحرب، وأهمها الاقتصاد في القوى؛ حيث توفر قوة للدولة التي تمتلكها أقل تكلفة مقارنة بغيرها من مصادر القوة، وكذلك توفر الأسلحة الفرط صوتية للدول القدرة على الاستعداد بشكل مستمر، فضلًا عن توفير مستویات عالیة من القیادة والسیطرة، وتجنُّب مخاطر حشد حجم كبير من القوات في مسرح العمليات خاصة القطع العسكرية الضخمة مثل حاملات الطائرات، إلى جانب التمتع بالمرونة في المزج بين الضربات بالأسلحة الفرط صوتية مع الأسلحة الأخرى، بالإضافة إلى إمكانية تطبيق مبادئ الحرب الأخرى (المفاجأة – المبادأة – خفة الحركة)؛ نظرًا لتميز هذه الأسلحة بالجمع بين السرعة الكبيرة والمناورة العالية وزيادة القدرات التدميرية. كذلك فإن استخدام الأسلحة الفرط صوتية سوف يُسهِم في تقليص دور الأسلحة التقليدية التي تعتمد على العنصر البشري، خاصة عند استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الأسلحة الفرط صوتية، حيث السرعات والتطبيقات أكبر من إمكانات العنصر البشري.
التأثير على مفهوم الردع: سيؤدي استخدام الأسلحة الفرط صوتية إلى تنامي مستوى الردع بالأسلحة التقليدية، نتيجة القدرة العالية على ضرب مراكز الثقل المعادية، أيًّا كان مكانها، في زمن قصير جدًّا، بالإضافة إلى زيادة القدرات التدميرية لهذا النوع من الأسلحة، ليس فقط بسبب حجم الحمولة المتفجرة، ولكن للصدمة الناتجة عن الطاقة الحركية العالية، الأمر الذي سيؤدي إلى توسيع خیارات استخدام الأسلحة التقلیدیة أمام متخذ القرار مقارنة بقرار استخدام السلاح النووي. كما تجدر الإشارة إلى ارتفاع مستوى الردع النووي لإمكانية حمل الصواريخ الفرط صوتية للرؤوس النووية، وأيضًا المزج بين الضربات التقليدية والنووية في وقت واحد. وفي ضوء ذلك، فقد يتسبب امتلاك الأسلحة الفرط صوتية في صعوبة ردع بعض القوى الإقليمية، فضلًا عن تغير خريطة التحالفات الدولية والإقليمية نتيجة احتمال خفض الدول للقواعد العسكرية خارج الحدود أو تقليص حجمها، وإعادة النظر في خطط انتشار الصواريخ التقليدية في العالم؛ وذلك توفيرًا للنفقات، ولصعوبة حمايتها من الأسلحة الفرط صوتية.
2. التأثير على الحروب غير التقليدية
من المنتظر امتلاك الفاعلين من غير الدول بعض الأسلحة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي؛ نظرًا لتقلص الحدود الفاصلة بين التكنولوجيا المدنية والعسكرية، وإمكانية الاستفادة من تطبيقات تجارية في مجالات أخرى غير تجارية/غير مدنية. فحتى الآن يقود القطاع التجاري غالبية تطورات الذكاء الاصطناعي، ولا تزال غالبية التطورات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتم في معامل الأبحاث والمختبرات المدنية، ويمكن انتقال هذه التطبيقات لخدمة الأغراض العسكرية من جهات غير حكومية أو فاعلين من غير الدول، وسيغير ذلك بشكل كبير طبيعة التهديدات التي تواجهها الدول؛ مما قد يؤدي إلى المزيد من التعقيدات في الحروب غير التقليدية.
3. التأثير على تطور الحرب السيبرانية وزيادة تعقيداتها
أصبح المجال السيبراني ميدانًا للحروب، ومن المتوقّع أن تكون الحرب السيبرانية السمة الغالبة -إن لم تكن الرئيسة- للحروب المستقبلية. وتكمن خطورة هذا الشكل من الحروب في أنه يستخدم الإنترنت والشبكات التي أصبح العالم يعتمد عليها وعلى الفضاء السيبراني (Cyber Space) بصورة متنامية، لا سيما البنى التحتية المعلوماتية العسكرية والمدنية الحكومية والمؤسسات والشركات العامة والخاصة. ولا شك أن زيادة الهجمات السيبرانية التي نشهد جزءًا بسيطًا منها يرتبط أيضًا بزيادة الاعتماد على شبكات الإنترنت في البنية التحتية الوطنية الأساسية، وهو ما يعني إمكانية تطور الهجمات السيبرانية لتصبح سلاحًا حاسمًا في النزاعات بين الدول في المستقبل، علمًا بأن كل أبعاد الحروب السيبرانية لا تزال غير مفهومة لدى شريحة واسعة من العامة؛ مما يُصعِّب من المواجهة.
هذا ويزداد التعرض للهجمات السيبرانية لأن الفضاء السيبراني أصبح جزءًا مهمًّا من منظومة أمن الدول، وغالبًا ما يكون الفضاء السيبراني خارج أقاليم الدولة (البرية والبحرية والجوية) المتعارف عليها. وقد عرَّفت وزارة الدفاع الأمريكية الفضاء السيبراني بأنه «مجال يتميز باستخدام الإلكترونيات والطيف الكهرومغناطيسي لتخزين وتعديل وتبادل البيانات عبر أنظمة الإنترنت والبنى التحتية المادية» ، وبالتالي هو مجال بلا حدود واضحة، أُنشِئَ من خلال ربط ملايين أجهزة الكمبيوتر بشبكة عالمية مثل الإنترنت؛ حيث تتيح العناصر المادية إطارًا للتوصيل البيني الذي يسمح بمعالجة المعلومات واستغلالها وتفاعلها. هذا ويتميز الفضاء السيبراني باللامركزية والتفاعل بين الجهات الفاعلة والدوائر والمصالح. وفي ضوء ذلك، تستهدف الحروب السيبرانية جميع مجالات الأمن القومي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والعسكرية.
هذا ومن المرجَّح زيادة التعقيدات نتيجة المزج بين الذكاء الاصطناعي والحروب السيبرانية؛ فالأسلحة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست محصنة ضد الأخطاء والبرامج الضارة والتحيز والتلاعب؛ وبالتالي ستكون معرضة لتهديدات الأمن السيبراني واختراق نُظم التشفير. كما أن الحروب بين تطبيقات الذكاء الاصطناعي المختلفة ستفرز تحديات وتهديدات هائلة في مجال الأمن السيبراني؛ مما قد يُصعِّب سيطرة البشر عليها، خاصة مع انتشار الأسلحة ذات التحكم الذاتي. وسيعمل ذلك على تداخل الأمن السيبراني مع الأمن الإنساني ويتجاوز النطاق الجغرافي لأي دولة.
وفي هذا الإطار، من المتوقّع أن يغير الذكاء الاصطناعي مفهوم سباق التسلح، ومفاهيم الردع، خاصة أن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي أقل تكلفة من الردع النووي، بالإضافة إلى أنها لا تواجه القيود الكثيرة المفروضة على امتلاك السلاح النووي، وكذلك من المنتظر أن يغير الذكاء الاصطناعي مفاهيم التوازن الاستراتيجي عمومًا، وخاصة التوازن العسكري.
4. التداخل والمزج بين أشكال الحروب (الحرب الهجينة – Hybrid Warfare)
من المنتظر أن تتداخل أساليب وأدوات الحروب لتفرز شكلًا جديدًا وهو الحرب الهجينة (Hybrid Warfare)، وتُعرَّف الحرب الهجينة بأنها «استراتيجية عسكرية تمزج بين الحروب التقليدية، والحروب غير التقليدية، والحروب السيبرانية، والتخريب والأنشطة الإرهابية والإجرامية، وتُستخدَم فيها أيضًا العمليات النفسية، والتجسس، وحشد الأقليات المذهبية والعرقية، ويتلاشى فيها التمييز بين الحرب والسلام» ، وتُستخدَم فيها القوات المسلحة النظامية والجماعات المسلحة غير النظامية .
هذا وتُعَد التهديدات الهجينة من أعقد التهديدات التي تواجهها الدول، لأنها تتكون من دمج غير نمطي للأساليب القتالية التقليدية وغير التقليدية والسيبرانية، واستخدام المعدات وفنون القتال والوسائل الإلكترونية لتحقيق النتائج الاستراتيجية المخططة، ولا تخضع هذه الحروب لشكل معين أو قواعد ثابتة، ابتداء من التخطيط والقيادة والسيطرة وانتهاء بالعمليات المنفذة. وفي ضوء ذلك، فإنه يصعب التنبؤ بشكل واضح لكل حرب هجينة؛ نظرًا لأن انتقاء ومزج الأساليب القتالية التقليدية وغير التقليدية والسيبرانية يتم بصورة غير نمطية تختلف من حالة إلى أخرى، ويتطلب ذلك الفهم الدقيق لكل تطور وتحديث في الحروب التقليدية وغير التقليدية والسيبرانية. ومن المنتظر أن يصبح الاستعداد لمواجهة التهديدات الهجينة والتصدي لها والرد عليها، سواء كانت من جهات حكومية أو غير حكومية، أولوية قصوى بالنسبة لدول العالم.
وختامًا، فإن القفزات التكنولوجية الهائلة غيَّرت أشكال الحروب، ونما دور الأساليب غير العسكرية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وفي حالات عديدة فاقت هذه الأساليب قوة وفاعلية الأسلحة التقليدية. ويُعَد عدم وضوح الحدود الفاصلة بين أشكال الحروب المختلفة أحد التهديدات الرئيسة التي ستواجهها الدول المستهدفة، ويُستخدَم ضمن وسائل متعددة لتقويض أسس الدول، خاصة أن النظريات السائدة لم تَعُد قادرة على تفسير واستيعاب التحولات السريعة في أشكال الحروب، وتحتاج إلى فكر استباقي مرن غير نمطي لفهم متغيراتها؛ لذلك تُعَد دراسة التغير في أشكال الحروب والصراعات، والعوامل المؤثرة عليها والمصاحبة لها بصورة مباشرة وغير مباشرة، هي الأساس الصحيح الذي يبني استراتيجيات المواجهة.
المصدر: idsc