تغزو مدارس لبنان ظاهرةٌ ليست بالجديدة إلّا أنّ تفاقمها يضع المدارس والأهالي في حالة من القلق والريبة حول مستقبل الجيل القادم وهو الذّي أصبحت المحظورات متاحة أمامه رغم حملات التوعية المبعثرة هنا وهناك. المخدرات والترويج لها في المدارس وبين المراهقين بسبب كثرة الشبكات التي بدأت تعمل في مختلف المناطق اللبنانية.
قبل أيام، تفاجأ اللبنانيون بقصة طفل يحمل على ظهره حقيبة مدرسية، تبيّن أنه يتعاطى المخدرات، وهزت هذه الصورة التي انتشرت الرأي العام اللبناني، إذ كانت كفيلة بدق ناقوس الخطر لما يجري خلف أسوار المدارس والجامعات “فقبل ذهاب الطفل إلى المدرسة قصد وكراً من أوكار بيع المخدرات، اشترى ما مكّنته منه قدرته المادية، وليغادر بعدها المكان حيث التقطت القوى الأمنية صورة له، كونها كانت تراقب منذ فترة الشبكة التي قصدها للحصول على الممنوعات واستهدفت الشبّكة بشكل خاص تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات، إلى أن وقعت في شباك القوى الأمنية اللبنانية، حيث أعلنت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي قبل أيام عن توقيف جميع المتورطين فيها وعددهم تسعة، هم خمسة لبنانيين وأربعة سوريين، وذلك بعد أن توافرت معلومات لدى شعبة المعلومات عن قيام شبكة مسلحة بتوزيع المخدرات.
هذه الشبكة ليست الوحيدة بل توجد المئات بل الآلاف من شبكات ترويج المخدرات المنتشرة على الأراضي اللبنانية وهي لا تستهدف فقط الكبار بل وصلت أيضًا الى طلاب المدارس والمراهقين. وعمليات التعاطي في المدرسة تبدأ بجر إحدى التلاميذ الى مستنقع الترويج والمخدرات ليتساقط باقي زملائه كقطع الدومينو الى الهاوية.
إضافةً الى المدارس، الواقع في الجامعات ليس بالأفضل فالمخدرات تغزو الجامعات منذ وقتٍ طويلٍ والتي تحاول الجامعات التخفيف من حدّتها عبر حملات التوعية ضد مخاطر المخدرات والإدمان الذّي قد يؤدي الى تدمير مستقبلهم وتفكيك روابطهم العائلية والاجتماعية.
كيف يسيطر المروجون على المدارس
من المعروف أنّ شبكات المخدرات تتعاون فيما بينها وتوزع نشاطاتها في المناطق اللبنانية، ليدخلوا فيما بعد الى المدارس عبر تشغيل أحد طلابها أو ابتزازه أو ربما دس المواد المخدرة في المطاعم داخل الجامعات وجانبها. لذلك، من المهم التأكد أنّ ترويج المخدرات ليس عملًا فرديًا لطالبٍ في صرحٍ تعليمي بل هو خطة رسمتها إحدى الشبكات للسيطرة على جيل الشباب.
يعتبر ما سهل على أزمة المخدرات التغلغل في عمق المجتمع هو تدهور الوضع الاقتصادي والحاجة الى المال وهي التي قد تدفع شبابًا ومراهقين الى العمل في انتاج المخدرات والترويج لها. هذا ما ينعكس على مجتمعٍ بمكوناته جميعها، فتأثير المخدرات ليس تأثيرًا لحظيًا بل يمتد الى سنواتٍ يحاول فيها المدمن التعافي مما وقع فيه.
يمر المدمن بمراحل أولها الاعتياد وهي التي يتعود فيها المرء على التعاطي دون التأثير عليه نفسيًا ومدتها قصيرة وغير ملحوظة وتحدث عند تعاطي بعض المخدرات مثل الهيروين والمورفين والكراك. مرحلة التحمل وهي التي يزيد فيها المدمن الجرعة ليصل الى مرحلة النشوة والتي تؤثر عليه نفسيًا وعضويًا. مرحلة الاعتماد وهي التي يعتاد فيها المدمن على التعاطي وتصبح حاجته الى المخدر لا إرادية فجسده أصيح يعتمد على المخدر وهو العامل النفسي الرئيسي في تحديد تعامله مع من حوله ومع نفسه.
فحمامات المدارس وملاعبها والأزقة من أهم البؤر لترويج وتجريب المخدرات، فالرقابة هناك ليست بالصارمة حتى أنّها قد تغيب، فما الذّي قد يدفع ابن ال11 عامًا لتعاطي المخدرات والادمان عليها إذا كانت الرقابة مشددة عليها من المدرسة والأهل؟
عدا عن ضررها الصحي الكبير على جسد الانسان، المخدرات آفة اجتماعية فهي مرتبطة بعددٍ كبيرٍ من الجرائم كالسرقة والقتل والاغتصاب وغيرها مما قد يؤدي الى تفكك الأسر والمجتمعات. كما وأنّ أثرها على الهيكل التعليمي لا يستهان به، فالمدرسة أو الجامعة التي قد تتغلل المخدرات في صفوفها يصعب عليها التخلص من السمعة السيئة أو تنظيف تلامذتها من هذا الداء فالفرد يؤثر على مجتمعٍ كاملٍ والمعروف أنّ المؤسسة التعليمية هي المجتمع الثاني بعد الأهل الذّي يفترض أنّ يترعرع التلميذ فيه ويكتسب العادات الصحيحة ليبني شخصيته التي ستكون جزءًا من مستقبل الأمّة. هذا ما يجعل انعكاس المخدرات على المدى البعيد أكثر منه على القريب فهي من العوامل الأساسية في تشرذم جيل المستقبل.
الشبو والحشيش… الأكثر شيوعًا في المدارس
يعتبر الحشيش من أكثر أنواع المخدرات شيوعًا بين طلاب المدارس والجامعات وهو النوع الأشهر من المخدرات لأنّه نوعٌ من النبات البري الذّي ينمو في جميع أنحاء العالم، ويستخدم في المجال الطبي وإنتاج الأدوية. الحشيش يشبه الدخان العادي في طريقة التعاطي وهو ما يجعل تعاطيه سهلًا ومحببًا للشباب.
هناك كذلك مُخدِرات كالكوكايين والهيرويين والماريجوانا والبانجو وغيرها من الأنواع التي أصبحت شائعةً بين المتعاطين ويتم تعاطيها إمّا حقنًا أو مضغًا (في حال كانت لا تزال نبتة) أو عن طريق الشم أو حتى على شكل حبوب أو مسحوق بودرة. تؤثر هذه المُخدِرات على الجهاز العصبي ونسب هرمونات السعادة والاكتئاب.
الحذر واجب!
التوعية اليوم باتت ضروريةً في المؤسسات التربوية وهو ما يقع على عاتق المعنيين في الدولة والقيمين على هذه المؤسسات فليس بالسهل التخلص من الإدمان وما يترتب عليه من أعراض جانبية وآثار على الفرد ومحيطه. فإذا فشلنا في رصد هذه الشبكات علينا إدراج التوعية ضد المخدرات في المناهج التعليمية علّها تثمر في منع الشباب من الوقوع في فخ المروجين. فالمدارس والجامعات التي يقع على عاتقها بناء مجتمع لا يجب أنّ تصبح اليوم بؤرًا للمخدرات وصرحًا يخاف الأهل على أبنائهم داخله.