واقع الأساتذة في لبنان مع بداية 2026: تحديات مؤلمة وأمل متجدد
الثلاثاء 6 كانون الثاني 2026
مع دخول عام 2026، يواجه الأساتذة في لبنان واحدًا من أصعب الفترات في تاريخ التعليم الوطني، إذ تتشابك الأزمة الاقتصادية المتراكمة مع مطالب مهنية تتعلق بالرواتب والحقوق والحماية الاجتماعية، وسط توترات متزايدة بين الجسم التعليمي والسلطات الرسمية. هذا الواقع المعقد يؤثر ليس فقط على المعلمين وأسرهم، بل يمتد أثره إلى جودة التعليم ومستقبل الأجيال القادمة.
تراجع القوة الشرائية للرواتب
لبنان يعيش منذ عدة سنوات أزمة اقتصادية حادة انعكست سلبًا على مختلف القطاعات العامة، ولا سيما التعليم. المعلمون في المدارس الرسمية والجامعات يعانون من تراجع كبير في قدرتهم الشرائية، إذ لم تعد الرواتب التي يتقاضونها تواكب ارتفاع الأسعار وانهيار العملة المحلية. هذا الواقع دفع العديد من الأساتذة إلى السعي للحصول على إجازات بدون راتب بحثًا عن فرص بديلة أو لتخفيف الضغط المالي على أسرهم، وقد بلغ عدد هؤلاء نحو 11% من أساتذة التعليم الثانوي وحده في فترة سابقة، مع توقع ارتفاع هذا العدد في المستقبل مع بداية العام الدراسي الجديد.
هذه الظاهرة ليست جديدة بالكامل، لكنها تتفاقم مع استمرار الأزمة المالية وتدهور قيمة الليرة، ما يجعل الأستاذ في المرتبة الأخيرة من حيث الاستقرار المادي في المجتمع. حتى الزيادات التي أعلنتها بعض الجهات الحكومية سابقًا لم تكن كافية لتعويض الانخفاض الحاد في القوة الشرائية، ما جعل العديد من المعلمين يفكرون في الهجرة أو البحث عن وظائف إضافية للخروج من الأزمة المالية.
مطالبات الحقوق المهنية والاجتماعية
لا يقتصر معاناة الأساتذة على ضعف الدخل فقط، بل تتعداه إلى مطالب متراكمة تتعلق بحقوق العمل والتثبيت والتفرغ. أساتذة التعليم الثانوي والمهني والأساسي أطلقوا مطالب واضحة لتحسين أوضاعهم المهنية، بينها ضمان حقوق التفرغ، رفع الأجور، وتثبيت العقود غير المستقرة، خصوصًا في ظل غياب قانون واضح ينظم علاقة المتعاقدين مع الدولة.
وفي محاولة للرد على تلك المطالب، عقدت وزارة المالية ووزارة التربية اجتماعًا موسعًا مع ممثلي الأساتذة لمناقشة الخلافات القائمة، ما يعكس حجم الضغط الذي يمارسه الجسم التعليمي على صناع القرار. ومع ذلك، بقيت الكثير من التعهدات بدون تنفيذ فعلي، مما زاد من حالة الاحتقان بين المعلمين وعائلاتهم.
توترات بين الهيئة التعليمية ووزارة التربية
العلاقة بين رابطة الأساتذة ومؤسسات الدولة ليست سهلة، وقد شهدت الأشهر الأخيرة توترًا واضحًا بين رابطة التعليم وروحانية وزارة التربية. في بعض الحالات، أصدرت الروابط التعليمية بيانات تحذر من استمرار سياسة التسويف والمماطلة في تلبية المطالب، مما يشير إلى الفجوة الكبيرة بين التوقعات الواقعية للمعلمين والاستجابة الرسمية إليها.
هذا التوتر لا يقتصر على مجرد اختلافات في وجهات النظر، لكنه يعكس إحساسًا متزايدًا لدى الأساتذة بأن صوتهم لا يجد صدى كافيًا لدى الجهات المعنية. وهذا ما أدى إلى تبادل الاتهامات بين الأطراف المختلفة، مع استمرار المطالب بتحسين الظروف المهنية والمعيشية وتحقيق العدالة في التعامل مع شؤون الأساتذة.
تأثير القرارات التربوية على الأساتذة
من ضمن الخلفيات التي أثرت على واقع الأساتذة في لبنان، كان قرار اعتماد أربعة أيام تعليم أسبوعيًا في المدارس الرسمية مع بداية العام الدراسي 2025-2026. هذا القرار، الذي جاء كنتيجة لضغوط مرتبطة بالأزمة الاقتصادية وانخفاض الموارد، لم يلقَ ترحيبًا واسعًا داخل الجسم التعليمي، لأنه يعني أيضًا تعديلًا في جداول العمل وربما تأثيرًا ضمنيًا على مستويات الدخل والترتيبات المهنية للأساتذة.
بالإضافة إلى ذلك، يرى بعض المعلمين أن استمرار تغيّر السياسات التعليمية دون استشارة حقيقية لهم يضعهم في موقف دفاعي دائم، بدلًا من أن يكونوا شركاء في تطوير العملية التعليمية. وهذا يزيد من الإحباط، خصوصًا في مدارس التعليم الأساسي والثانوي الرسمي التي تعاني من ضعف الموارد والبُنى التحتية المتدهورة.
التحديات المهنية والاجتماعية
المعلمين في لبنان لا يواجهون فقط تحديات مالية ومهنية، بل أيضًا اجتماعية. فضعف الأوضاع الاقتصادية يدفع عددًا كبيرًا من المدرسين إلى العمل في وظائف متعددة لموازنة دخله الضئيل، ما يؤثر على جودة التدريس وتركيزهم في العملية التعليمية. هذا العبء المزدوج يجعل من ممارسة التعليم مهنة شاقة جدًا في ظل ظروف مليئة بعدم اليقين المالي والمعيشي.
كما أن انعدام الأمان الوظيفي لدى الكثير من المعلمين المتعاقدين يجعلهم في حالة ترقب دائم بشأن المستقبل، لا سيما مع غياب ضمانات قانونية واضحة تثبت حقوقهم أو تحدد مسار تثبيتهم في القطاع العام.
آثار الأزمة على جودة التعليم
الأزمة التي يعيشها الأساتذة لها انعكاسات مباشرة على جودة التعليم في لبنان. ضعف الدخل وعدم استقرار الوضع المهني يدفع الكثير من المدرسين إلى التفكير في ترك المنظومة التعليمية أو الهجرة إلى الخارج بحثًا عن فرص عمل أكثر أمانًا واستقرارًا. هذه الهجرة تعد مشكلة طويلة الأمد لأن فقدان المعلمين ذوي الخبرة يعني تراجع الخبرات داخل المدارس والجامعات، ما يؤثر في النهاية على الطلاب ومستوى التعليم.
علاوة على ذلك، اضطرار بعض المعلمين إلى العمل في وظائف إضافية أو الانتقال إلى مدن أخرى يقلل من الاستقرار في الفصول الدراسية، ما قد ينعكس سلبًا على الطلاب الذين يعتمدون على استمرارية وجود مدرس ثابت في مسار تعلمهم.
مطالبات الأسرة التعليمية والحلول المطروحة
وسط كل هذه الضغوط، تتواصل مطالبات الأساتذة بتثبيت حقوقهم، وتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية، وتأمين بيئة عمل تحترم كرامتهم. هناك دعوات لربط رواتب المعلمين بسعر صرف ثابت، ولإعادة النظر في العقود المتعاقدة، إضافة إلى تحسين البنية التحتية في المدارس الرسمية.
كما تطالب بعض النقابات التعليمية بمزيد من الشفافية في إدارة الموارد التربوية، ومشاركة المعلمين في وضع السياسات التي تؤثر في حياتهم المهنية، بدلًا من أن تُفرض عليهم قرارات تُضعف موقفهم أكثر
مع حلول عام 2026، يقف الأساتذة في لبنان عند مفترق طرق: بين إرث أزمة اقتصادية تتعمّق وتحديات مهنية متزايدة، وبين مطالب مشروعة تتطلب استجابة فورية من الجهات الرسمية لضمان استقرار التعليم وجودته. إذا لم يتم التعاطي بجدية مع هذه المطالب، فقد يعاني النظام التعليمي أكثر في المستقبل، ليس فقط من نفاد الكفاءات، بل من تراجع دور التعليم نفسه في بناء مستقبل لبنان. لكن في الوقت ذاته، تحمل التحركات الاجتماعية والاجتماعية للأستاذة بصيص أمل في التغيير، إذا ما تبنت السلطات سياسات حقيقية تأخذ بعين الاعتبار وضعهم كركيزة أساسية في المجتمع.