بدران في مؤتمر «طوفان الأقصى بين الأسرلة والتهويد»: نتحمّل مسؤولية استخدام براعتنا الفكرية الجماعية لتسليط الضوء على الظلم والدفاع عن الحقوق
الإثنين 18 كانون الأول 2023
نظّم معهد العلوم الاجتماعية ومركز أبحاث المعهد في الجامعة اللبنانية مؤتمرًا أكاديميًا عن أحداث غزّة بعنوان «طوفان الأقصى بين الأسرلة والتهويد/ قراءة سوسيو- سياسية»، في قاعة المؤتمرات في مبنى الجامعة اللبنانية في سن الفيل، برعاية وحضور رئيس الجامعة اللبنانية البروفسور بسّام بدران.
شارك في فعاليات المؤتمر كل من الوزيرين في حكومة تصريف الأعمال العمل الدكتور مصطفى بيرم والإعلام زياد المكاري، عميد المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن، الوزير السابق طراد حمادة، النائب السابق مروان أبو فاضل، عميدة معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية البروفسورة مارلين حيدر، عميد المعهد العالي للدكتوراه في الآداب والعلوم الاجتماعية والإنسانية البروفسور محمد محسن، رئيس مركز الأبحاث في معهد العلوم الاجتماعية البروفسور حسين أبو رضا، ومدراء فروع معهد العلوم الاجتماعية.
قدّمت للمؤتمر المساعدة في الجامعة اللبنانية ومسؤولة الإعلام في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية الدكتورة ليلى شمس الدين.
بدران
وألقى رئيس الجامعة اللبنانية كلمة قال فيها: «في خِضم الأحداث الجارية على الساحة الدولية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، عودة إلى الوراء وتحديدًا إلى ما قبل العام 1948 وحتى يومنا هذا، لم يمر على تاريخ هذا العالم كيان محتل وغاصب بقي خارجًا عن القوانين الدولية وخارج المحاسبة والمساءلة كما هو الحال مع هذا الكيان الغاصب. والمسؤولية تزداد علينا يومًا بعد يوم، كأكاديميين وحقوقيين وإعلاميين وباحثين في علم الاجتماع، وذلك بوجوب توثيق هذه الأعمال حتى لا تبقى دون حساب رادع».
أضاف بدران: «إنّ تنظيم مؤتمركم هذا، في هذه الظروف الصعبة والدقيقة والحرجة التي تمر بها جامعتنا وبلدنا والمنطقة بأسرها، لا يرمز فقط إلى التزامنا بالتميّز الأكاديمي الذي نعمل جميعنا لنحافظ عليه. ولكنه أيضًا يُشكّل منصة لتبادل الأفكار والتعاون والبحث العلمي الذي يُسهم بتقدّم معرفي، وهو لا شك هدف من أهداف جامعتنا».
وأشار إلى «أنّنا لا ننظر إلى هذا المؤتمر من منطق مجرد كمسعى أكاديمي، إنما يستبطن دعوة واضحة لدعم مبادئ العدالة والرحمة والحقوق الأصيلة لكل فرد في هذا الشعب المقهور الذي يعيش في أقسى الظروف والاعتداءات المستمرّة. وهو واقع لا يستحق اهتمامنا فحسب بل يستحق التزامنا الثابت بالتضامن، باعتبارنا جزء لا يتجزّأ من هذه القضية، لذلك فإننا نتحمّل مسؤولية استخدام براعتنا الفكرية الجماعية لتسليط الضوء على الظلم، ولإيصال أصواتنا لمن لا صوت لهم، وللدفاع عن الحقوق التي يستحقها كل فرد في منطقتنا والعالم أجمع».
ورأى «أنّ أوراق المؤتمر البحثية تمتلك القدرة على تشكيل الروايات وتوجيه السياسات والتأثير على مسار الأحداث في مواجهة الشدائد». وقال: «لذا نحن ننظر إلى هذا المؤتمر بمثابة منصة للتضامن، ومكان للقاء المدافعين عن قضية حقوق الإنسان والعدالة وكرامة كل فرد. إنها دعوة للعمل، تجبرنا على سد الفجوة بين النظرية والتطبيق، بين المعرفة والنشاط».
وتوجّه بدران إلى أساتذة الجامعة وطلاّبها بالشكر على «التزامهم بالبحث الأكاديمي والسعي وراء المعرفة». واعدًا إياهم «بالاستمرار في بذل كل الجهود، ودق كل الأبواب كي نصل إلى تحسين أوضاع الأساتذة في كل الأدوار التي يقومون بها، وكل العاملين والموظّفين والأجراء، لما فيه مصلحة ومستقبل طالباتنا وطلابنا الأحبة، ونحن ندرك انّ مساهماتكم جميعًا تُشكّل حجر الرحى لعملنا، سواء داخل الفصول الدراسية أو خارجها، مقدّرين دوركم الفعّال في تشكيل مستقبل مجتمعنا الأكاديمي وخارجه».
وختم متمنّيًا على المشاركين «أن تتميّز طروحاتهم ومناقشاتهم بالعلمية والصرامة الفكرية والالتزام المشترك بتحويل المعرفة إلى عمل هادف».
حيدر
ثم تحدثت عميدة معهد العلوم الاجتماعية، فقالت: «يشهد العالم اليوم في فلسطين محوًا لمعالم المكان وإبادةً بشرية، وفي الجنوب اللبناني مناوشاتٍ وجولاتِ قتال بين العدو الصهيوني والمقاومة، ما يولّد من ارتداداتٍ على المنطقة لا بل على العالم الذي يشهدُ تموضعاتٍ وتحالفات في محاورَ متعدّدة».
واعتبرت حيدر «أنّ تنظيمَ مؤتمرٍ حول طوفان الأقصى في معهد العلوم الاجتماعية لقراءة سوسيو سياسية مهم جداً على المستوى البحثي في أكثر من تخصّص اجتماعي يتضمّنه منهاجنا التعليمي. فحالة الطوفان هذه أتت لتذكرَنا بقضية شعب مقهور حاول كثيرون طمسَها وما زالوا، متناسين أنها قضيةُ شعبٍ سُلبت أرضُه وسلبَ حقهُ في الحياة والعيش الآمن منذ النكبة الأولى عام 1948».
وقالت: «لقد عايشنا في لبنان هذه القضية منذ بداياتها، كما اختبرنا ويلات الغزو والاحتلال الصهيوني، وما زلنا ندفع أثماناً باهظة بسبب هذا الكَيان الغاصب الرابض على حدودنا والطامع في أرضنا ومائنا وحضارتنا ودورِنا في المنطقة»، مشيرة إلى «أنّ حالة طوفان الأقصى وضعتنا أمام تحدياتٍ ومراجعات فكرية وبحثية كثيرة، بدءاً من قيمة شرعة حقوق الإنسان ومضامينها التي تبدو مجرد حبرٍ على ورق، وصولاً إلى كثير من المفاهيم والقيم الإنسانية التي تبَنيناها فكرياً وروجنا لها في أبحاثنا وكتبِنا وفي صفوفِنا؛ كما تأخذنا إلى قراءة نقدية عميقة للفكر الاستعماري الغربي، ولمفهوم الإبادة الجماعية الذي تصورنا أننا تخطيناه مع تطور الفكر البشري ووعيه لأخطائه التاريخية».
وتمنّت «التوفيق في مهمّة هذا المؤتمر في تقديم دراسات علمية رصينة في مجالات اجتماعية متعدّدة، أساسها الواقع المعاش الذي يفرض علينا مراجعة أدواتِنا التحليلية ومفاهيمِنا القائمة على ما أُشبعنا به من القيم الانسانية وفي نطاق الإقرار بحقوق الشعوب في أوطانها».
أبو رضا
واعتبر رئيس مركز الأبحاث في معهد العلوم الاجتماعية، أنّه «يبدو غريباً ومثيراً للجدل بعض بيانات ومفكري الحداثة الغربية حول أحداث غزة وتداعياتها المجتمعية»، وقال: «تشير هذه الغرابة إلى علاقة الأفكار والنظريات المثالية التي نادى بها بعض هؤلاء المثقفون الغربيون تحديداً، بالحقائق والأخلاق والوعي الإنساني، فقد بدا للوهلة الأولى عند قراءتها وجود تشوهات بنيوية داخل الوعي والمناخ المعرفي الغربي عموماً».
وأضاف: «لقد روج علماء الغرب ومفكريه عن الحداثة المتواصلة بين الإنسان والأخلاق للوصول إلى قيم المجتمعات الحديثة والسلم الأهلي والقبول الآخر. لكن يبدو من خلال بعض مفكريهم حالياً، جعلوا هذا الأمر يتمركز حول مركزية الغرب فقط. حيث دافع يورغن هابرمس أيضاً للأسف! عن الوجود الإسرائيلي، وعن سياساته، وعن أنموذجه، ضمن الوعي المتعالي لنزعة الأوربة الغربية، فكانت اسرائيل الكيان، مثالاً لسياقها كنتاج حضارة أوروبية»، موضحًا «أنّ هذه المقاربة قد تكون ناتجة عن عقد بعض المثقفين المسكونين برعب معاداة السامية، فتحولت إلى فوبيا ثقافية مفرطة من جهة وإلى نزعة متعالية من خلال الأوربة الغربية من جهة أخرى، فجعلت اسرائيل نتاج الحضارة الغربية، مثالاُ في المقاربات السياسية والاجتماعية».
وتابع أبو رضا: «بيد أن ليس كل مثقفي الغرب كتلة واحدة صماء، بكماء، عمياء»، مستندًا إلى عالمة الاجتماع والفلسفة الأميركية جوديت بتلر، مؤلفة كتاب «قوة اللاعنف»، التي اعتبرت إنّ ما يحدث في غزة هو إبادة جماعية، وبرأيها «لفهم كيفية وقوع حدث ما، يتعيّن علينا أن نتعلّم من التاريخ. وهذا يعني أنه يتعيّن علينا توسيع رؤيتنا إلى ما وراء اللحظة الحالية المروعة. إن وسائل الإعلام المعاصرة، في معظمها، لا تفصّل الفظائع التي عاشها الشعب الفلسطيني لعقود من الزمن «والكلام لبتلر».
وقال: «آن الأوان لتجاوز فكرة أن الحضارة الغربية هي حضارة كونية، وأن قيمها قيم عالمية وأنها الحضارة الأرقى، وأنها حضارة العقلانية المكتملة والإنسانية الرحيمة الوحيدة. علمًا أنّ قوّة الإعلام السياسي على ما يبدو، هي التي تصنع الرأي العام الغربي، وليس الفكر»، داعيًا إلى «الخروج من دوائر ومدارات الدهشة والإعجاب العاطفي بالسقف الزجاجي للحداثة، على أن يتأسس ذلك «الخروج» على قاعدة نظرية وعلى نظام معرفي جديد، يقوم على أنقاض الوضعية من جهة، والحداثة من جهة أخرى، خصوصًا وأن لدينا في تراثنا العربي والإسلامي ما يفي بالغرض»، معتبرًا «أن مقاربة تداعيات طوفان الأقصى والعدوان الإسرائيلي، يتطلّب من الباحث تفكيك الظاهرة المدروسة إلى قضايا فرعية من خلال متغيرّاتها الخاصّة وبالطبع من خلال مناهج العلوم الاجتماعية».
جلسات المؤتمر
ثم عرض المشاركون في المؤتمر دراسات متخصّصة وأوراق علمية قدّمت خلال ثلاث جلسات، الأولى بعنوان «مقاربات سوسيولوجية في الأسرلة والتهويد»، بإدارة مديرة كلّية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية (الفرع الرابع) الدكتورة رنا شكر ، وقدّمت فيها مداخلات لكل من : الدكتور فداء أبو حيدر عن «التهويد والأسرلة: المنطلقات المفاهيمية المجتمعية»، الدكتورة سحر حمود عن «دينامية المقاومة الوطنية وحفظ القضية الفلسطينية»، البروفسورة لبنى طربيه، عن«The appropriation of Palestinian Culture: the importance of knowledge production» ، الدكتورة ليلى شمس الدين عن «روايات وسائل التواصل الاجتماعي وإعادة تشكيل صورة دولة إسرائيل» في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي (طوفان الأقصى أنموذجًا).
الجلسة الثانية بعنوان «مقاربات تاريخية وديموغرافية في مواجهة الأسرلة والتهويد»، بإدارة أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الدكتور علي فضل الله، وقدّمت فيها مداخلات لكل من: البروفسور شوقي عطيّة عن «ديموغرافية فلسطين بين الأسرلة والتهويد: مقاربة تحليلية»، الدكتور عبد الله محيي الدين عن «سياسات الاستعمار الاستيطاني الاجرامية في فلسطين»، الدكتور حسام مطر عن «الحرب ومعضلة تعريف النصر في العدوان الاسرائيلي على غزة».
وكانت الجلسة الثالثة بعنوان «مقاربات قانونية وسياسية في مواجهة الأسرلة والتهويد»، بإدارة مسؤولة العلاقات العامّة في مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعية الدكتورة سحر حمّود، وقدّمت فيها مداخلات لكل من: البروفسور لور أبي خليل عن «التهويد والأسرلة بين المنع والمواجهة: إستراتيجية فلسطينية جديدة»، البروفسور كلود عطية عن «مقاربة التهويد والأسرلة من منطلق الأمم المتّحدة والقوانين الدولية»، الدكتور عباس إسماعيل عن «إسرائيل وطوفان الأقصى: قراءة في الأسباب والتبعات»، البروفسور نايف جراد عن «سقوط أسطورة اسرائيل الدولة الاقليمية العظمى».
وحملت الجلسة الرابعة عنوان مداخلات ونقاش، أدارتها أستاذة العلاقات الدولية والقانون الدولي في الجامعة اللبنانية ومركز البحوث والدراسات في الجيش اللبناني البروفسورة ليلى نقولا، وداخل فيها كل من الوزيرين بيرم والمكاري والخازن وابو فاضل، وأمين عام الجمعية العربية للعلوم السياسية البروفسور حسّان أشمر.
وصدر عن المؤتمر توصيات عدّة تتعلّق بمسارات أكاديمية وبحثية ستُرفع إلى رئيس الجامعة اللبنانية. وأعلنت الدكتورة شمس الدين أنّ الأوراق البحثية الصادرة عن هذا المؤتمر ستحكّم وتنشر في عدد خاص من مجلة أبحاث مركز العلوم الاجتماعية، كما كرّرت باسم عميدة المعهد ورئيس مركز الأبحاث الشكر والتقدير لكل من ساهم ونظّم وعمل وحاضر وحضر، مثنية بشكل خاص على عمل البروفسور شوقي عطية الذي بذل جهدّا استثنائيا لنجاح أعمال هذا المؤتمر.