الإضرابات النقابية في لبنان: قطاع التعليم يصرخ تحت وطأة الأزمة
الإثنين 14 نيسان 2025
في خضمّ الأزمات المتلاحقة التي تعصف بلبنان، لا يزال قطاع التربية والتعليم يدفع أثمانًا باهظة نتيجة الانهيار الاقتصادي والتخبط الإداري، في ظل غياب شبه تام للرؤية الإصلاحية. فمنذ أسابيع، تشهد المؤسسات التربوية الرسمية موجة جديدة من الإضرابات والتحركات النقابية، يقودها المعلمون والمتعاقدون والعاملون في الإدارة التربوية، احتجاجًا على تردي أوضاعهم المعيشية وغياب الحد الأدنى من مقومات الصمود.
صرخة القطاع الرسمي: “لا قدرة على الاستمرار”
في 11 نيسان 2025، نفّذت روابط التعليم الرسمي الأساسي والثانوي والمهني والتقني، إلى جانب لجان الأساتذة المتعاقدين، إضرابًا تحذيريًا، تمثل بتوقيع الحضور في المدارس والثانويات الرسمية والامتناع عن التدريس ليوم كامل. تبع ذلك دعوات متكررة للتصعيد من قبل رابطة موظفي المركز التربوي للبحوث والإنماء، الذين طالبوا بصرف الحوافز المتأخرة، وبتنفيذ القرارات الحكومية الخاصة بالمساعدات الاجتماعية ومنح الإنتاج.
يؤكد الأساتذة أن رواتبهم، التي فقدت أكثر من 90% من قيمتها بفعل انهيار الليرة اللبنانية، لم تعد تكفي لتغطية تكاليف النقل اليومي، فضلًا عن الاستشفاء والطبابة والتعليم. ورغم تلقي البعض حوافز بالدولار الأميركي، إلا أنها تبقى غير كافية، ولا تشمل كل الفئات.
المتعاقدون: الحلقة الأضعف في المنظومة
في قلب هذا الحراك، يبرز واقع الأساتذة المتعاقدين بوصفهم الفئة الأكثر تضررًا. فهم لا يحصلون على راتب شهري ثابت، بل يتقاضون أجورهم وفق عدد ساعات التعليم المنفذة، ما يضعهم تحت رحمة البرنامج الزمني، والإضرابات، والعطل، والانقطاعات، وهو ما يؤثر مباشرة على دخلهم.
يطالب المتعاقدون برفع أجر الساعة، وتأمين عقود سنوية واضحة تحفظ استمرارية عملهم، وصرف مستحقاتهم في مواعيد منتظمة. ويُجمع ممثلوهم على أن غياب العدالة في التعامل معهم أدى إلى شعور متنامٍ بالتهميش داخل المؤسسة التربوية.
الوزارة: بين الواقع المالي وضغوط الميدان
من جهتها، تؤكد وزارة التربية والتعليم العالي أنها تسعى جاهدة لتأمين التمويل اللازم من الجهات المانحة، بالتنسيق مع وزارة المالية ومصرف لبنان، بغية تسديد الحوافز بالدولار الأميركي وتحسين الرواتب. كما تشير إلى أن الأزمة تتجاوز إمكانيات الوزارة، وتتطلب حلاً وطنياً شاملاً يشمل كل قطاعات الدولة.
لكنّ النقابات ترد بأن الوعود لا تكفي، وأن الاستمرار في تجاهل المطالب سيفاقم الأزمة أكثر، خاصة في ظل تراجع ثقة المعلمين بالإجراءات الرسمية المتخذة.
أزمة مزمنة تتطلب معالجة جذرية
لا يمكن فصل ما يجري اليوم عن التراكمات السابقة في ملف التعليم الرسمي. فالسياسات العشوائية، والتمويل غير المستدام، والتوظيف السياسي في الإدارة التربوية، كلها عوامل ساهمت في بلوغ هذا الدرك. وتبقى الإضرابات تحذيرًا بأن الانهيار الكامل للمدرسة الرسمية بات قريبًا إن لم يُسارع إلى اتخاذ خطوات إنقاذ فعلية.
في ظل هذا المشهد، تبرز الحاجة إلى حوار جدي وشامل بين النقابات، ووزارة التربية، والحكومة، بمواكبة من الجهات المانحة، لتقديم خطة إنقاذ مستدامة تحفظ كرامة المعلم، وتؤمن حق التلميذ في التعليم، وتعيد الثقة بالمؤسسة التربوية الوطنية.