إملي نصرالله تعود حيّة في أرشيف نابض من قلب بيروت إلى ذاكرة الأجيال
الإثنين 21 تموز 2025
نظّمت “المكتبة الشرقية” في جامعة القديس يوسف في بيروت أمسية مميزة، شهدت تسلّم القسم الثاني من أرشيف الكاتبة اللبنانية الراحلة إملي نصرالله، التي كانت قد اختارت في حياتها أن تودع إرثها الأدبي في هذا الصرح الثقافي العريق، انطلاقًا من قناعتها برسالة الجامعة ودورها في صون الذاكرة الفكرية والوطنية.
أُقيم الاحتفال في قاعة “ليلى تركي” بحضور عائلة الراحلة، وأصدقائها، ولفيف من الشخصيات الأدبية والأكاديمية والإعلامية. وقد تحوّلت الأمسية إلى مساحة وجدانية أُعيد خلالها إحياء صوت إملي، لا بوصفها ذكرى، بل كروح أدبية متجددة، تنبض بالحضور من خلال أرشيف غني متنوع، ضمّ مخطوطات ورسائل ويوميات ومكتبتها الخاصة وصورًا وتسجيلات نادرة.
دكّاش: أرشيف يروي روحًا لا تموت
رئيس الجامعة البروفسور سليم دكّاش اليسوعيّ، عبّر في كلمته عن امتنان الجامعة لعائلة نصرالله على “هذه المبادرة الوفية للذاكرة الثقافية”، مؤكدًا أن “إملي نصرالله لا تدخل متحفًا بل تحلّ بيننا حيّة في اللغة والكتاب”. وأضاف: “هذا الأرشيف يشكّل مرآة روح لا تموت، وصوتًا نسائيًا مقاومًا، اختار أن يروي الحكايات كي نصبح شعبًا له ذاكرة”.
وأشار إلى أن الجزء الثاني من الأرشيف يضم أكثر من 35 مخطوطة، و590 رسالة خاصة وعامة، ويوميات مكتوبة بخط اليد لأكثر من 25 عامًا، فضلًا عن كتب منقّحة ومُعلّق عليها، ومكتبتها الشخصية، مؤكدًا أن بعض المواد ستُحجب مؤقتًا احترامًا للخصوصية.
رستم: بيتٌ لصوت النساء وحكايات الوطن
مدير المكتبة الشرقية الدكتور جوزف رستم وصف الأدب الذي خلّفته نصرالله بأنه أدب “يحوّل الحكاية إلى مقاومة”، معتبرًا أن المكتبة تسعى لأن تكون “بيتًا لصوت إملي”، وبيتًا لكل كاتبة نسجت الحكاية بجرأة وحلم. وتوقف عند رمزية المكان في كتاباتها، وحرصها على حماية الجذور بالكتابة، مؤكدًا التزام المكتبة بصون هذا الإرث وتقديمه للأجيال كذاكرة حيّة ومستقبلية.
مهى نصرالله: نتابع رسالتها… الأرشيف بداية جديدة
رئيسة جمعية “بيت طيور أيلول” وابنة الكاتبة، مهى نصرالله، استعرضت بإحساس عالٍ اللحظات التي سلّمت فيها والدتها القسم الأول من الأرشيف في 2015، مضيفة: “كلماتها آنذاك عن صروح العلم تزداد معناها اليوم”. وأشارت إلى أنّ الأرشيف الجديد كشف عن كنوز لم تكن مكتشفة، شاكرة فريق المكتبة والمساهمين في أرشفة هذا العمل، ومؤكدة أن “العمل لم ينتهِ، بل يبدأ عهدٌ جديد من التعاون”.
نوفل: كتبت لتبقى…
الناشر أنطوان نوفل استعاد محطات شخصية ومهنية مع نصرالله، واصفًا إياها بـ”الكاتبة المحترفة، الوفيّة لروح النص، البعيدة عن السوق”، مشيدًا بلغتها البسيطة التي شيّدت بها “قصورًا أدبية شامخة”. واستحضر شخصيتها المُطمئنة، ووفاءها لبيروت، المدينة التي منحتها الحنان الثاني بعد الجنوب.
جبور: أدبها ذاكرة ووثيقة
البروفسورة زهيدة درويش جبور قدّمت شهادة وجدانية عن نصرالله، مشيدة بصدقها الإنساني والأدبي، ووصفتها بأنها “كاتبة ملتزمة، كونية الأفق، كتبت المرأة والوطن والطفولة دون أن تقع في التكرار أو النمطية”. ورأت في كتاباتها صوتًا إنسانيًا عميقًا، يجمع بين الحلم والواقع، وبين الحنين والمقاومة الهادئة.
قراءات وعروض حية
تميّز اللقاء بمشاركة حفيدتي نصرالله، نور ورضا قيس، في قراءات مختارة من رسائلها الخاصة، كما أُلقيت شهادة مسجّلة لشقيقها لبيب أبي راشد، وقدّمت الإعلامية ندى عيد حوارًا حيًا مع نوفل وجبور، تخلله عرض فيلم قصير مستوحى من تسجيل صوتي للراحلة أعدّته نويل كسرواني، واختُتمت الأمسية بعرض الفيلم الوثائقي “عودة طيور أيلول” للمخرجة كارول منصور.
نبضٌ لا ينطفئ
هذا الحدث لم يكن مجرّد احتفال بذاكرة أدبية، بل تأكيدًا على أن صوت إملي نصرالله مستمر، حاضر في الأوراق والصور والصوت، وفي الروح التي لا تزال تهبّ عبر الريح نحو من يكتبون ويبحثون ويؤمنون بالحكاية. فكما ختم البيان:
“من المكتبة الشرقية، ستنطلق قصصها من جديد، لا كاسم على غلاف، بل كرفيقة فكر، ومُلهمة روح، وكاتبة كتبت لتبقى.”