أزمة لبنان تلقي بظلالها على طلابه في الخارج
الثلاثاء 9 أيار 2023
يعرف لبنان بتصديره للطاقات الشبابية والأدمغة الى الخارج في مختلف المجالات، فاللبنانيون في الخارج أكثر منهم على الأراضي اللبنانية حيث ينتشرون في مختلف أصقاع الأرض ويحققون الإنجازات التي تجعل وطنهم فخورًا بهم وبما يقدمونه لإعلاء اسم لبنان ونشر ثقافته وقيمه في الخارج. وأساس هذه الطاقة الإغترابية هم اللبنانيون الذّين ارتادوا الجامعات في الخارج وحققوا نجاحًا ومراتب علمية مرموقة في جامعات الخارج، وهو ما جعل السمعة العلمية اللبنانية في جامعات الدول الأوروبية الرائدة وشجع هذه الدول على استقبال اللبنانيين للدراسة في ربوعها.
رغم أهميتها للبنان واللبنانيين، يواجه الجامعيون في الخارج مشاكل عدّة فالانهيار الاقتصادي في لبنان لم يؤثر فقط على القاطنين فيه بل ورمى بأستاره على طلاب لبنان المحليين والمغتربين، فالقطاع الجامعي يعاني الأمريّن بين دولرّة الخاص والجروح التي أثخنت جسد التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية، لذلك يلجأ بعض طلاب لبنان الى السفر للدراسة في الخارج ليصطدموا بشبح الدولار وانهيار قيمة الليرة مقابله.
كيف أثرّت الأزمة على الطلاب اللبنانيين في الخارج
لبنان بعد ال2019 لا يشبه السنوات التي عرفها مطلع الألفيّة الثانية، فالبلد الشرقي أوسطيّ اليوم ينازع بعد أنّ ضرب اقتصاده وباء انهيار الليرة والسياسات المصرفيّة والماليّة الخاطئة، ما صدم اللبنانيين الذّين أودعوا جنى أعمارهم في المصارف ليخسروها في يومٍ وليلةٍ. من ضمن هؤلاء يأتي اللبنانيون في الخارج الذّين أودعوا أموالهم في مصارف لبنان وكذلك أهالي الطلاب ممن كانوا يعولون على ودائعهم لإعالة أبنائهم الذّين يدرسون في جامعات الخارج.
تعالت صرخات أهالي الطلاب لأحقيتهم في الحصول على أموالهم وارسالها لأولادهم في الخارج ليستطيعوا دفع فواتيرهم المعيشية، فإنّ حاز الطالب على منحة دراسية أو تمويل دراسي من الخارج يبقى على عاتقهم تأمين المسكن والطعام وغيره من المصاريف الضرورية. دفع احتجاج الأهالي مجلس النواب الى إقرار قانون رقم 193 والذّي وقعه رئيس الجمهورية ويقضي القانون بأحقية الأهالي ارسال 10,000 دولار أميركي على سعر الصرف الرسمي للطلاب الجامعيين المسجّلين في الجامعات أو المعاهد التقنية العليا خارج لبنان قبل عام 2020-2021، من حساباتهم أو حسابات أولياء أمورهم.
كغيره من القوانين اللبنانية، كان هذا القانون محط إشكالٍ حيث أنّه يساوي بين الطبقات الغنية والفقيرة، ويدعم جميع التخصصات المهمة وغير المهمة لتطور الوطن. كما وأنّ تطبيق القانون في المصارف لم يجري كما كان مخططًا، فإما تتقاعس المصارف عن تقديم الأموال أو يتأخر مصرف لبنان في إصدار التعميم الضروري لتنفيذ القرار.
لماذا يلجأ طلاب لبنان الى الخارج؟
ينزح طلاب لبنان الى جامعات الخارج لاعتقادهم أنّ تأمين مستقبلهم في بلدٍ مستقرٍ نسبيًا يكون أسهل من بلدٍ يعاني انهيارًا اقتصاديًا ومعيشيًا. بالإضافة الى جودة التعليم والاتفاقيات التي عقدها لبنان مع دولٍ كفرنسا لاستقبال الطلاب وتبادل الثقافات بين البلدين، بحيث تعتبر فرنسا من أهم الواجهات الدراسية لطلاب لبنان فتحوي الجامعات الفرنسية عددًا كبيرًا من الطلاب اللبنانيين.
في هذا السياق، يرى بعض اللبنانيين القادرين على دفع الأموال لتعليم أولادهم أنّ التعليم في جامعات الخارج أصبح أرخص من التعلم في جامعات لبنان الخاصة التي قررت تحصيل مستحقاتها بالدولار الأميركي والتي يصل متوسط الأقساط فيها الى 10,000 دولار ما فوق للفصل الواحد. لذلك، يرى الأهل أنّه من الأفضل لأولادهم ارتياد جامعات في الخارج تضمن لهم شهادةً وعلمًا، وتفتح أمامهم باب التوظيف أسرع في لبنان والخارج فهناك عدد لا يستهان به من طلاب لبنان قرر ترك جامعته الخاصة والبحث عن بديل في الخارج. في الوقت الذّي تصارع فيه جامعة الوطن للبقاء على قيد الحياة في ظلّ إضرابات اساتذتها بسبب تراجع مداخيلهم الى حدٍ لا يستطيعون فيه تأمين مادة البنزين للذهاب الى الجامعة للتدريس.
واقع الاغتراب ليس أكثر حلاوةً
رغم السعي الى الاغتراب ومحاولة الطلاب تحصيل شهاداتهم من جامعاتٍ مرموقةٍ في الخارج، تبقى الغربة من أشد الصعوبات فالبعد عن العائلة والأهل والأصدقاء، وكذلك الاختلاف الثقافي ليست بالأمور السهلة. هذا ولأن الطالب في الجامعة قد يكون غير قادرٍ على تأمين قوت يومه وهو الذّي يلجأ الى أهله الذين يعانون هم كذلك في ظل الصعوبات التي تترتب على قانون الدولار الطالبي وارسال الأموال الى الخارج.
على عكس ما يعرفه الآخرون عن الاغتراب، يواجه المغتربون صعوبات تبدأ باختلاف اللغة وتصل الى العادات التي يصدم بها لأنّها تشبه البيئة التي تربى فيها وتعود عليها. كما وأنّ بعده عن عائلته وتحمل مسؤولية الأعمال المنزلية والاعتماد على النفس في عمر صغير يفرض أعباء إضافية الى جانب الدراسة والتأقلم على جو جامعي لا يشبهه أبدًا. يجعل هذا تأمين الاستقرار المادي صعب دون مساعدة الأهل وإحاطتهم المعنوية والماديّة، وهو ما يصعّب الأمر على شباب لبنان فتعاني عائلاتهم من جهة بسبب خسارة الرواتب في لبنان ثلاثة أرباع قيمتها، وصعوبة ارسال الأموال بالدولار والدولار لدفع الايجار والفواتير في دول الاغتراب.
من جهة أخرى، تقدم بعض الدول المضيفة المساعدات لطلاب الجامعات وهو الذّي يغيب عن الدولة اللبنانية، عبر بطاقات الحسومات والتنقل والتسهيلات الشرائية لمعرفتهم بعدم قدرة غالبية الطلاب على العمل، فمثلًا فرنسا، والتي تعتبر واجهة طلاب لبنان الأولى للدراسة، تقدم بطاقات طلابية تؤمن للطلاب حسومات في المحال التجارية والصيدليات والمتاجر الغذائية والمطاعم. هذا ما قد يخفف بعض الأعباء عن طلاب الجامعات في هذه البلدان ولكن لا يلغي أنّ طلاب لبنان في الخارج تأثروا بالأزمة من نواحي مختلفة بل وهم من أكثر المتضررين.
ختامًا، ما الذّي يمنع المسؤول الأول أي الدولة اللبنانية منح مثل هذه التقديمات لرعاياها من الطاقات الشابة في لبنان والخارج، خاصةّ الجامعيين منهم عبر اتفاقيات يعقدونها مع الدول الأكثر استقطابًا لطلابهم؟ أليسوا مستقبل لبنان؟ ألن يكون لبنان أمانةّ في أياديهم مستقبلًا؟