موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

من التلقين إلى الإبداع: إشعال شغف التعلم في الفصول الدراسية

الأحد 9 حزيران 2024

«التعليم ليس ملء دلو بل إشعال نار» – ويليام بتلر ييتس

تُجسد هذه العبارة جوهر العملية التعليمية الفعالة، التي تمتد من المدارس إلى الجامعات وحتى التدريب العملي والمهني الذي تقدمه بعض الشركات لموظفيها أو يسعى إليه الأفراد لتطوير مهاراتهم الحياتية والعملية التي لا توفرها الدراسة التقليدية.

هذا القول ينقد الأسلوب التقليدي للتعليم القائم على التلقين، حيث تُلقى مسؤولية التعليم ونقل المعلومات بالكامل على عاتق المعلم. هذا النهج يضع عبئاً كبيراً على المعلم ويحمله المسؤولية الكاملة لنجاح أو فشل العملية التعليمية.

هذا النهج هو ما يعرف بـ «التعلم النشط» (Active Learning)، الذي يحول دور المعلم من مُلقّن للمعلومات إلى ميسّر ومساعد للطلاب في اكتساب المعرفة.

هناك العديد من الطرق التي يمكن للمعلم استخدامها في الدروس لتطبيق هذا الأسلوب، لكن غالباً ما يعتقد المعلمون أن التعلم النشط يتطلب عددًا قليلاً من الطلاب وإمكانيات مادية عالية وأدوات حديثة. الحقيقة أن هناك الكثير من الأساليب البسيطة التي يمكن للمعلم استخدامها دون الحاجة إلى أدوات إضافية أو تكنولوجيا حديثة غير متوفرة غالبًا في مدارسنا، مما يضطر المعلمين أحيانًا لتحمل تكلفتها بأنفسهم. لكن في الواقع، هناك أساليب تجعل الحصة أكثر نشاطًا وحيوية وتشارك الطلاب في عملية التعليم.

سأستعرض هنا بعض الأساليب التي جربت ووجدت فيها فائدة كبيرة وفرقاً واضحاً في نتائج الطلاب:

  1. العصف الذهني:

هذا الأسلوب يعتمد على استدعاء أكبر قدر ممكن من المعلومات حول موضوع معين. ابتكره أليكس أوزبورن عام 1939 كطريقة لحل المشكلات واتخاذ القرارات، ونشر كتابًا عنه عام 1953 وضع فيه القواعد والأسس لإدارة جلسات العصف الذهني، مثل التركيز على الكم وعدم النقد والترحيب بالأفكار غير التقليدية.

يمكنك استخدام هذا الأسلوب لمعرفة ما يعرفه الطلاب عن موضوع ما كمقدمة للدرس أو لجمع المعلومات منهم. تستمع لكل الأفكار والآراء، ثم في النهاية تقوّم ما هو خاطئ وتستبعد ما ليس له علاقة بالدرس، وتؤكد المعلومات الصحيحة. ستُدهشك كمية المعلومات والأفكار التي يملكها الطلاب حول أي موضوع، سواء كان في الرياضيات أو الفيزياء أو المواد الاجتماعية.

يساعد هذا الأسلوب المعلم على معرفة طلابه بشكل جيد ويمنح الطلاب فرصة للمشاركة والتحدث بما لديهم. كما أن عدم النقد يعزز ثقة الطلاب بأنفسهم، مما يجعلهم يشعرون بالراحة للإجابة حتى لو كانت خاطئة، دون الخوف من السخرية.

  1. القصص:

من منا لا يحب سماع القصص أو قراءتها؟ القصص من أكثر المنشورات شعبية وانتشارًا على مواقع التواصل الاجتماعي لأنها تحمل عبرة لطيفة في النهاية. يمكنك استخدام القصص القصيرة كمقدمة للدرس ووسيلة جذب بدلاً من البداية التقليدية.

لا تكتب عنوان الدرس على اللوح بل احكِ قصة قصيرة بأسلوب جذاب، مرفقة بتعابير وجه معبرة ونبرات صوت متغيرة. بعد ذلك، اسأل الطلاب عنها واربطها بالموضوع الذي ستقدمه. القصص لا تأخذ وقتًا طويلًا لكنها تترك أثرًا دائمًا في ذهن الطلاب، سواء كانوا في المرحلة الابتدائية أو الثانوية.

  1. الألعاب الجماعية الحركية:

الجلوس في الصف لساعات طويلة أمر ممل ومتعب للطلاب، وقد يجعلهم يكرهون المدرسة والدراسة. هذا قد يؤدي إلى خمول وضعف في الاستيعاب. وبما أن حصة الرياضة غالباً لا يتم استغلالها بشكل مناسب، يمكنك تحويل أي مادة إلى حصة نشاط وحركة تخدم الدرس.

ماذا لو جعلتهم يقومون بسباقات جري لتعلم درس السرعة وكيفية حسابها فيزيائيًا؟ هذا لا يحتاج سوى لمساحة واسعة ومقياس للأطوال وميقات للزمن. هل هذا كثير؟

  1. الدراما والتمثيل:

أصبحت المسلسلات والتمثيل جزءًا لا يُستهان به من حياة الطلاب، حيث يتخذون الممثلين والممثلات أو المطربين والمطربات قدوة لهم، ويحلم الكثير منهم بالاشتراك في برامج الغناء والفنون. يمكنك توجيه هذه الرغبات والطموحات داخل الحصة الدراسية من خلال تحويل الدروس إلى مسرحيات يتم الاتفاق على أدائها بعد شرح الدرس أو قبله. سواء كانت قصة من كتاب اللغة العربية، أو درسًا في التاريخ، أو رحلة جغرافية لاستكشاف تضاريس وبيئات دول العالم، فإن المشاركين لن ينسوا أدوارهم والمشاهدين لن ينسوا زملاءهم وهم يمثلون بطريقة مرحة. ستكون تلك المشاهد حاضرة في أذهانهم أثناء الدراسة وكتابة الامتحانات. وبالتالي، يمكنك أن تكون مخرجًا هامًا لمسرحية تعليمية، بدلاً من إلقاء المعلومات وحشو رؤوس الطلاب بها.

  1. البطاقات الملونة:

هذه وسيلة تتطلب من المدرس إعدادها مرة واحدة فقط، ثم يمكن استخدامها لسنوات عديدة. تتكون من أوراق ملونة مقطعة يمكن استخدامها بطرق متعددة. يمكن كتابة كلمات جديدة لتعليم اللغة الإنجليزية، وإجراء مسابقات لمعرفة معاني الكلمات وتكوين الجمل الصحيحة. يمكن أيضًا استخدامها لترتيب تواريخ معارك تاريخية، أو قوانين الفيزياء وربطها برموزها ووحداتها، أو معادلات الكيمياء. يمكن توزيع البطاقات على الطلاب في مجموعات لترتيبها، أو استخدامها على اللوح أمام الجميع. تتيح البطاقات مجالاً واسعاً للإبداع وتنوع الأساليب التعليمية.

  1. ربط المادة بالحياة العملية:

«ماذا سأستفيد مما أدرس؟» هذا السؤال يطرحه الطلاب باستمرار. حاول ألا تفوت أي فرصة لربط ما تدرسه بحياتهم اليومية. قدم لهم أمثلة وأفكارًا بسيطة توضح كيفية تطبيق المعرفة في الحياة العملية. هذا يساعد في فهم الدرس وتذكره بسهولة، كما يجيب ضمنيًا على سؤالهم الأبدي: «ماذا سأستفيد من هذا عندما أكبر؟». المعلمون لهم تأثير كبير على الطلاب، سواء بشكل إيجابي أو سلبي. تبني أسلوب التلقين دون مراعاة الفروق بين الطلاب لن يترك بصمة إيجابية في حياتهم.

الارتقاء بالعملية التعليمية أصبح أمراً لا يخفى على أحد أهميته في النهوض بالمجتمعات العربية، خاصة في ظل الركود العلمي والتقني الذي نشهده. المستقبل بين أيدينا نحن المعلمين، ونحن نملك المفاتيح الأساسية لتطوير مجتمعاتنا من خلال تنمية عقول الطلاب وتفتيح آفاقهم نحو المستقبل، مما يجعلهم أدوات للتطور والنهضة التي نحلم بها.