موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

ملف التّفرّغ في الجامعة اللبنانيّة طبخة طائفيّة أم طبخة بحص؟

الكاتب: د. خليل بيضون | الجمعة 24 أيار 2024

كثيرة هي مرافق الدّولة التي تتأثر بالواقع السياسي والطائفي الذي يحكم لبنان منذ تأسيس دولته الكبيرة ، فلا يقتصر هذا التأثير على دوائر القرار والمؤسسات العامة والإدارات الرّسمية فقط – رغم أهمّيتها في تسيير شؤون الناس ومصالحهم -، بل يتعدّى ذلك إلى ما فيه مستقبل لبنان لجهة ما يختص بمدى مواكبته تطورات العصر على الصّعد كافة ، وفي طليعتها قضيّة تصنيفه في مجال الإنتاج العلمي والأكاديمي بين الدّول، وهذا الأمر منوط بالجامعة الوطنيّة وما تقدّمه على المستوى العلمي والأكاديمي من أبحاث ودراسات ترفد المعرفة العلميّة بها، وتعطيها موقعها الأكاديمي في مصاف الجامعات العالمية. فأين هي الجامعة اللبنانيّة في ظل الظروف التي يعيشها لبنان المتمثّلة بالآزمة السياسيّة، وبتردّي الوضع الاقتصادي، وانهيار العملة الوطنبيّة؟.

الحقيقة أن الجامعة اللبنانية شأنها شأن أي مؤسسة عامة من مؤسسات الدولة ، تنعكس عليها الأزمات الوطنيّة والتّجاذبات السياسيّة، ما يؤدّي إلى إعاقة نموّها وتراجع إنتاجيتها. فالملفات المهتزّة في الجامعة اللبنانيّة والتي تأثّرت بالأزمتين المالية والسياسيّة كثيرة، إن لجهة المباني وإدارتها وتشغيلها، أو لجهة الموظفين والعاملين في دوائرها، أو التناقص المستمر في أعداد أساتذتها نتيجة بلوغ أعداد كبيرة منهم السنَّ القانوني، وعدم إدخال دم جديد إلى ملاكاتها ليحافظ على توازنها واستمرارها، أو هجرة الأساتذة أصحاب الكفاءات إلى الخارج نظرًا إلى تردّي الوضع المالي ، وانعدام القيمة الشرائية للرواتب.

وقد استطاع القيّمون على الجامعة اللبنانيّة بشخص رئيسها الدكتور بسّام بدران والفريق العامل معه – رغم الأزمات الحادّة – أن يتغلّبوا على معظم الصعوبات الماليّة التي اعترضت الجامعة اللبنانية، في ظل الظّروف الإقتصاديّة الصّعبة التي يمرّ بها لبنان. إلا أنّ الملف الدّاهم والعالق، والأكثر أهميّة وتأثيرًا على واقع الجامعة وسلامة أدائها؛ هو ملف التّفرغ الذي بات من الضرورات الملحة لاستمرار الجامعة، والحفاظ على موقعها الأكاديمي، وتصنيفها في عداد الجامعات المُعتبرة . فأين أصبح هذا الملف الذي وُضع منذ أشهر على نار حامية ثم عاد إلى الرّكود؟.

 من المعروف أنّ متابعة ملفّات الجامعة اللبنانيّة كانت من مهام مجلس الجامعة، وكانت تعالَج ضمن أروقتها الداخليّة، وبسبب سحب مجلس الوزراء صلاحيات مجلس الجامعة بمقتضى المرسوم رقم 42 الصادر في العام 1997؛ أصبحت الجامعة اللبنانيّة جزءًا من المشكل السياسي والطائفي العاصف بكل ما في هذا البلد، ما أدى إلى تراجع أدائها، وإمكانيّة تطويرها، لأنها أصبحت تخضع للسلطة التّنفيذيّة، ما يعني تحوّلها إلى قطعة جبنٍ يتنازع أمورها نظام المحاصصة الطائفي، وهذا ما انعكس على أساتذتها أصحاب الحق بالتّفرّغ.

 والآن، وبعد مضي أشهر على إثارة هذا الملف، وإعداد جداوله من قبل الجامعة، على قاعدة إعطاء الحقوق لعدد كبير من الأساتذة المتعاقدين المستحقين، عادت المشكلة كما في كل مرة وعَلِقَت في شِبَاك شؤم ال 6 و6 مكرر، ما أعاد الملف إلى المربّع الأول في دائرة التجاذبات السياسية والطائفية، لأنّ صلاحية إقراره أصبحت من مهام مجلس الوزراء، وما أدراك؟ فتحوّل الملف من طبخة طائفيّة إلى طبخة بحص لا يمكن طهوها في ظل هذا الكباش السياسي الحاد الذي يدور بالملف في حلقة مفرغة.

ومن المعروف أنّ مراسيم التّفرّغ السّابقة (أي بعد سحب صلاحيات مجلس الجامعة) لم تتم إلا بالتوافق السياسي الطائفي ضمن عدد من الملفات كسلّة واحدة متكاملة، وأين نحن من هذا التّوافق؟!.

إنّ ما نسمعه في الإعلام من أنشطة هنا وهناك لإتمام هذا الملف لا يتعدّى الرغبة، فبعدما كانت الإيجابية تسيطر على الأجواء في الأشهر القليلة الماضية، بما قام به وزير التربية والتعليم عباس الحلبي لإقرار هذا الملف ؛ برزت الإعتراضات الطائفيّة وطفت الخلافات على السطح، وعادت بالملف وعلّقته على شمّاعة التوازن الطائفي والمذهبي، الأمر الذي قد يعيد النقاش إلى المربع الأول، خصوصاً أن نِسب الأعداد بين الطوائف – في الجداول التي تضمّنها المشروع الذي تمّ إرساله إلى الوزارة – غير متوازنة، ويشوبها الكثير من المحسوبيّات والفروق الطّائفيّة الشاسعة، وهذا ما أثار حفيظة بعض الطوائف نظرًا إلى قلّة الأعداد المستحقة لديها.

 ومن المُسَلَّمات أنّ العمل بالتوازن المذهبي والطائفي هو المعيار المعتمد منذ سنوات، ولكن من شأنه أن يحرم أعدادًا من الأساتذة المستحقين حقهم بالتفرغ، وذنبهم أنّهم من طائفة محدّدة مقابل طوائف الأقليات، وهذا ما أثار اعتراضات بعض القوى السياسية، خصوصاً الطوائف التي لديها أعداد كبيرة من المستحقّين.

وكل المشكلة تكمن في أنّ هذا الملف يجب أن يكون في عهدة مجلس الجامعة ومن صلاحياته، حيث يرى القيّمون على أمور الجامعة أن يتم التعامل معه داخليًّا، على أن يُعتمد في تنفيذه توزيع التّفرّغ دورياً وفق الحاجات والحقوق، ولكنّ مصادرة صلاحيات مجلس الجامعة من قبل مجلس الوزراء حوّله إلى طبخة بحص لا يمكن إنضاجها في المدى المنظور، لأن الكباش الطائفي شديد التّعقيد ويمكن أن يطيح بالملف.