موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

لماذا يقع على عاتق النساء عبء «الجهد العاطفي» في العمل؟

الإثنين 18 آذار 2024

تتحمل النساء إلى حد كبير وطأة مسؤوليات غير مرئية في مكان العمل. ففي جميع أنحاء العالم، هناك عمل غير مدرج في أي توصيف وظيفي، وتقوم النساء بمعظمه.

فهذه الأنواع من المهام والوظائف، التي يطلق عليها الأعمال العاطفية، هي أعمال غير معترف بها، وأحيانا غير مرئية تتطلب أبداء التعاطف مع مشاعر الآخرين في بيئة العمل.. وتوضح روز هاكمان ، مؤلفة كتاب صدر عام 2023 حول هذا الموضوع، قائلة: «لا يتعلق العمل بالاقتصاد فقط، فهناك أعمال تدير العائلات والمجتمعات، فالعمل العاطفي هو التلاعب بالقلب من أجل التأثير على العملاء، والركاب، والمرضى، إنه ما يخلق شعورًا بالأمان والتواصل والمعنى والانتماء داخل الشركة».

إنه أمر بالغ الأهمية، ولكنه مرهق أيضًا، وغالبًا ما يكون مطلوبًا. وتتحمل النساء العبء الأكبر فيه. في البداية، تهيمن النساء على المهن التي تتطلب قدرًا هائلاً من العمل العاطفي. لكن جميع الوظائف تتطلب بعضًا من هذا الجهد، وخاصة في المكاتب التي يهيمن عليها الرجال، فالنساء هن من يقمن بهذا العمل الثقيل، دون اعتراف أو مكافأة إلى حد كبير.

منذ سن مبكرة

تميل المهن ذات الطابع العاطفي كثيفة العمالة إلى أن تهيمن عليها النساء، كما هو الحال في مجالات مثل التمريض والتدريس ورعاية الأطفال والعمل الاجتماعي والضيافة.

وفي حين أن هناك افتراضًا بأن النساء «مناسبات تمامًا» لهذه الوظائف، إلا أن هاكمان تقول إن هذا في الواقع مجرد تأثير التنشئة الاجتماعية.

وتضيف قائلة: «إن جميع السمات والمهارات والأدوار المرتبطة بالعمل العاطفي تم وضعها دائمًا على عاتق الفتيات والنساء بدءًا من سن مبكرة حقًا حيث يتم تدريبهن وتأهيلهن لذلك».

وتوافق إي ميشيل رامزي، الأستاذة المشاركة في دراسات المرأة والجنس والعرق في جامعة بنسلفانيا ستيت بيركس بالولايات المتحدة، على هذا الرأي قائلة: «إن الأمر يشمل جميع أنواع الألعاب التي نميل إلى لعبها اجتماعيًا، الفتيات الصغيرات يلعبن بالدمى، ويؤدين أدوار المعلمات، والممرضات، ويلعب الأولاد ألعابًا أكثر نشاطًا وأقل عناية بالآخرين».

وتضيف أن الأمر يتفاقم بسبب تأثيرات أخرى في مرحلة الطفولة المبكرة «حيث يتحدد على شاشة التلفزيون أو في كتاب تقرأه عندما كنت طفلاً، من هي الممرضة؟ ومن هو المعلم؟ ومن هو العالم ورجل الإطفاء؟ وهكذا من البداية يتحدد ما يعتقده الأطفال أنها خياراتهم في الحياة».

لكن سمات مثل التعاطف والرحمة ليست بالتأكيد مرتبطة بالنوع أو الجنس بشكل فطري، وقد أظهرت الأبحاث أنه لا يوجد فرق قاطع بين دماغ الذكر والأنثى . وتقول هاكمان: «إن هناك دراسات أكاديمية متخصصة تظهر أن التعاطف هو مهارة يستطيع جميع البشر، بغض النظر عن جنسهم، القيام بها، لكن الأمر أصبح معادلاً لكونك فتاة أو امرأة لدرجة أننا لا نعي أن تلك الصفات مكتسبة بل نراها جزءا من طبيعة الفتيات والنساء».

وتقول رامزي إن هذا التلقين غالبًا ما يقود النساء إلى اختيار المهن التي تتطلب قدرًا كبيرًا من العمل العاطفي الثقيل.

وتضيف قائلة: «لا ينبغي الاندهاش من قيام المزيد من النساء بالوظائف المتعلقة برعاية الأخرين، فمن يعانون من التهميش يكونوا أفضل في التواصل غير اللفظي، فهم قادرون على فهم الإشارات بشكل أفضل، وبسبب تعرضهم للاضطهاد فإنهم يسعون دائما إلى تجنب إيذاء أي شخص ولو بشكل بسيط. لذلك لكن يكون مفاجئا أن يختار هؤلاء الأفراد المهام أو الوظائف التي تتطلب رعاية الأخرين».

ما وراء «المهن المخصصة للنساء»

ليست الوظائف التي هي شاكلة تقديم الرعاية والمناصب الخدمية فقط هي التي تتطلب عملاً عاطفيًا ، بل إن كل مكان عمل يتطلب ذلك. وبصفة عامة، فإن المهام مثل التخطيط للحفلات، والحفاظ على العلاقات، وتأسيس التجمعات، كلها تقع على عاتق النساء في أماكن العمل المختلطة بين الجنسين. وتشير الدراسات إلى أن النساء يقدمن قدرًا أكبر بكثير من الأعمال المكتبية ذات الطابع المنزلي، وهي المهام المرتبطة بـ «انخفاض القابلية للترقية».

وفي الوقت نفسه، لا يتم عادة الاحتفاء بهذا الجهد الثقيل أو حتى اعتباره عملا استثنائيا، وهو الأمر الذي لا يساعد النساء على الترقي في مكان العمل. ومع ذلك، إذا لم يقمن بهذا العبء فإنه من ممكن أن يتخلفن عن الركب.

وتقول هاكمان: «الكثير من النساء اللاتي يدخلن أماكن العمل التي كان يهيمن عليها الذكور في السابق ليجدن أنه من المتوقع منهن، بحكم كونهن نساء، القيام بمجهود إضافي يتمثل في العمل العاطفي». وأظهرت الأبحاث أنه، خاصة في أماكن العمل المُميزة، فإن «الجهد الإضافي بمثابة شرط أساسي للمرأة للترقي. وأظهرت ورقة بحثية في مجلة إدارة الموارد البشرية أن الرجال يمكنهم الترقي من خلال كونهم جيدين في وظائفهم، والظهور بمظهر جيد، ولكن النساء بحاجة أيضا إلى التوجيه الاجتماعي الإيجابي».

وتقول هاكمان: «في شركة هندسية، على سبيل المثال، كي تنال ترقية، فإنه يجب أن يتمتع المهندس الرجل بشيئين.. الثقة والكفاءة، ولكي تترقى المهندسة، عليها أن تظهر نفس السمات، كما يجب عليها أيضًا أن تكون لطيفة وتدخل الاطمئنان في نفوس العاملين وعضوة في الفريق».

وبعبارة أخرى، يجب على المرأة أيضًا أن تكون واثقة من نفسها وتتمتع بالكفاءة، بالإضافة إلى مراعاة الآخرين والتعاطف معهم. ولكن من عجيب المفارقات أنه على الرغم من أن النساء سوف لا ينلن ترقيات إذا لم يقمن بالعمل الإضافي، إلا أن القيام به لا يساعدهن كثيراً على الترقي. وتقول رامزي: «كل الخدمات الإضافية التي تؤديها النساء في العمل مثل جمع الأموال للأشياء، والتخطيط للمناسبات، وتذكر المناسبات هذا النوع من الأشياء لا يهم في الترقية، إنه جهد يتطلب الكثير من التنظيم وتعدد المهام ويتطلب بعض المهارات القوية في هذا النوع من العمل، ولكن عندما يحين وقت الترقية، لا يعد أي من هذا العمل جزءًا من المعادلة».

في الواقع، أظهرت دراسة أجراها قسم علم النفس في جامعة نيويورك في أبو ظبي عام 2022 أنه في حين أن السلوك الاجتماعي الإيجابي يمكن أن يزيد من رفاهية الموظفين، فإنه يمكن أيضًا أن يُبقي المرأة خارج الأدوار القيادية من خلال «استنزاف وقت المرأة القوية ومهاراتها دون مقابل عادل».

وعلاوة على احتمال جعل الترقية أكثر صعوبة، هناك كُلفة شخصية للقيام بكل هذا العمل الإضافي. وتقول هاكمان: «إن الحصيلة ضخمة، حيث يستغرق الأمر وقتًا طويلاً يشمل التواصل مع زملاء العمل، والعمل ضمن فريق، والظهور بمظهر مقبول، وإرسال رسائل البريد الإلكتروني، وإجراء محادثات ممتعة، كل هذا يستغرق وقتك».

مسألة الأجور

ولا يقتصر الأمر على عدم تعويض النساء عن العمل العاطفي الإضافي ــ ومعاقبتهن إذا تجنبنه ــ بل إن تحليلات فجوة الأجور بين الجنسين تشير أيضاً في كثير من الأحيان إلى حقيقة مفادها أن المهن التي تهيمن عليها النساء تدفع أجوراً أقل بشكل عام.

ويحدث ذلك على الرغم من أن هذه الوظائف التي تتطلب جهدًا عاطفيًا ثقيلًا والتي تهيمن عليها النساء هي أيضًا من أهم الوظائف.

وتقول هاكمان: «لماذا نقلل من قيمة هذه الأنواع من الوظائف، التي يمكن القول إنها الأكثر أهمية في مجتمعنا، والتي لا يمكن استبدالها؟ كما أنه في مناصب الخدمة التي تواجه العملاء وأعمال الرعاية، يعد العمل التعاطفي أمرًا أساسيًا في الوظيفة التي يتم القيام بها».

وتتابع قائلة: «فكر فيما سيحدث في غياب تلك اللمسة الإنسانية إذا كان ممثل خدمة العملاء لا يهتم بمشكلتك، فهذا أمر وقح. وإذا كان مساعد الرعاية الصحية المنزلية الذي يعتني بوالدك المسن لا يمكن أن يزعج نفسه بتذكر أي شيء أو التحقق من أي شيء يتعلق بالوالد، وإذا كان النادل في المطعم يستعجل انصرافك، فمن المؤكد أنك ستعتقد أن كل هؤلاء الأشخاص يقومون بأعمال مروعة».

وفي الوقت نفسه، لا تزال العديد من النساء يحصلن على أجور منخفضة مقابل القيام بالعمل الشاق المتمثل في الرعاية والتنشئة وحل المشكلات، وذلك إهانة يبررها فكرة أن العمل في حد ذاته هو المكافأة الحقيقية.

القيمة الحقيقية لـ «عمل المرأة»

قد تكون الخطوة الأولى نحو خلق المزيد من القيمة حول العمل العاطفي للمرأة هي الاعتراف البسيط بأنه في الواقع عمل. وتقول هاكمان: «نحن بحاجة إلى تغيير المعايير، نحن بحاجة بالفعل إلى تقدير السمات المُوجهة نحو التعامل مع الآخرين، فالجهد العاطفي يتطلب الكثير من الوقت والجهد والمهارة».

وتتحرك الأمور ببطء في هذا الاتجاه فقد باتت المهارات الاجتماعية ومهارات التعامل مع الآخرين مهمة بالنسبة للجنسين مع تزايد عدد الوظائف التي تتطلب تفاعلا اجتماعيا عاليا (في الولايات المتحدة وحدها، زادت حصة القوى العاملة في مثل هذه الأدوار بنسبة 12 في المئة في السنوات الثلاثين الماضية).

إن إعطاء قيمة لمهارات العمل العاطفي، من خلال تضمينها في التوصيف الوظيفي وكجانب أكثر رسمية لتقييم الموظفين ومن خلال إيجاد طرق أكثر واقعية لمكافأته، يمكن أن يساعد في توزيع العبء بشكل أكثر توازنا بين الموظفين، بدلا من تركه يقع على عاتق النساء.

وتحذر رامزي من أنه على الرغم من أن الاعتراف بالجهد العاطفي كعمل إضافي للمرأة وتقييمه هو أمر جيد، إلا أنه يمكن أن يكون له أيضًا تداعيات محتملة من حيث ارتفاع التوقعات. ومضت تقول: «إنه على الرغم من أن الأمر قد يبدو غير بديهي إلا أن وضع قيمة أكبر على العمل يمكن أن يزيد الضغط على النساء للقيام به».

وفي نهاية المطاف، تقول هاكمان إنه يجب تعويض النساء عن هذا الجهد الإضافي. وتابعت قائلة:«نحن نعيش في عالم يقول إنه إذا كنت تخلق قيمة في السوق، فسوف تحصل على مكافأة مقابل ذلك، وحقيقة الأمر هي أن هناك الكثير من الأشخاص الذين يخلقون قيمة كبيرة ولكنهم لا يحصلون على مكافأة مقابل ذلك».

 

 

 

 

 

 

المصدر BBC arabic