موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

كيف تحول الهاتف الذكي إلى كابوس للطفولة؟

الإثنين 6 أيار 2024

تتسارع التطورات التكنولوجية بشكل كبير في عصرنا الحالي، ومعها يزداد انتشار الأجهزة الذكية بين الأفراد، بما في ذلك الأطفال. تمثل هذه الأجهزة، وعلى رأسها الهواتف الذكية، جزءًا لا يتجزأ من حياتهم اليومية، إذ تُستخدم في الترفيه، والتواصل، والتعلم. ومع ذلك، يثير هذا الانتشار الواسع للتكنولوجيا واستخدام الهواتف الذكية بين الأطفال مخاوف وتساؤلات عديدة حول تأثيرها على نموهم النفسي والاجتماعي، وكذلك على أدائهم الأكاديمي.

يعتبر التفاعل المتزايد مع الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي لدى الأطفال مصدر قلق للكثير من الأهل، حيث إنه يمكن أن يؤثر سلبًا على عدة جوانب من حياتهم. فعلى الرغم من فوائد التكنولوجيا، مثل توسيع آفاق المعرفة وتسهيل التواصل، إلا أن هناك تأثيرًا سلبيًا يتمثل في تقليل الوقت المخصص للأنشطة الخارجية والتفاعل الاجتماعي الواقعي، مما قد يؤدي إلى تأثير على التطور العقلي والاجتماعي للأطفال.

من الواضح أن الأطفال الذين يقضون وقتًا طويلًا أمام الشاشات قد يواجهون تحديات في التركيز والانتباه خارج هذه البيئة الرقمية، مما يؤثر على أدائهم الأكاديمي. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن يزيد الانخراط المفرط في وسائل التواصل الاجتماعي من مخاطر التعرض للتنمر والضغط النفسي، وذلك يؤدي إلى تأثيرات سلبية على صحة الأطفال النفسية.

لذا، يظهر أن هناك حاجة ماسة إلى فهم عميق لتأثير استخدام التكنولوجيا والهواتف الذكية على الأطفال، وإلى اتخاذ إجراءات واضحة لتوجيه استخدامهم للتكنولوجيا بشكل صحيح، مع توفير بيئة متوازنة تشجع على النشاطات الخارجية والتفاعلات الاجتماعية الواقعية، بهدف تعزيز نموهم الشامل وصحتهم النفسية والاجتماعية.

زيادة ملحوظة في معدلات الاكتئاب والقلق

شهدت الولايات المتحدة زيادة ملحوظة تجاوزت 50% في معدلات الاكتئاب والقلق خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفقًا لعدة دراسات.

بالإضافة إلى ذلك، ارتفع معدل الانتحار بنسبة 48% بين المراهقين (10-19 عامًا)، وقفز بشكل مثير للقلق إلى 131% بين الفتيات الصغيرات (10-14 عامًا).

وبدأت معدلات الوحدة وفقدان الصداقة بين المراهقين الأمريكيين بالزيادة مع اقتراب عام 2012، وارتبط ذلك بانخفاض في الإنجازات الأكاديمية.

وليست هذه الظاهرة محصورة في الولايات المتحدة فحسب، بل اتضحت أنماط مشابهة في بلدان أخرى مثل كندا، والمملكة المتحدة، وأستراليا، ونيوزيلندا.

وتشير هذه الأرقام بشكل خاص إلى جيل Z (مواليد 1996 وما بعدها)، الذي يواجه مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب وإيذاء الذات واضطرابات أخرى، أكثر من أي جيل سابق.

وليس من المرجح أن تنتهي المشكلة بتجاوز أفراد هذا الجيل العشرينيات من العمر، بل قد تنتقل مشاكلهم معهم إلى مراحل الحياة الأخرى.

ويعكس جيل Z اهتمامًا أقل بالإنجاب مقارنة بالأجيال السابقة، ويبدي ميلاً أقل لتحمل المخاطر، مما قد يؤثر على مستقبلهم وطموحاتهم.

في النهاية، يُظهر هذا التحول في صناعة الابتكار بوادي السليكون، وانعدام الرواد الشباب، قلقًا متزايدًا بشأن مستقبل الابتكار والريادة.

تحولات الطفولة في زمن التكنولوجيا

الجيل الحالي، وبالأخص الذين وُلدوا في أواخر التسعينيات وبعدها، يتميز بتجربة مختلفة تمامًا عن الأجيال السابقة، وهذا يعود جزئيًا إلى تطور التكنولوجيا وتغيرات في الثقافة والمجتمع.

بدأ استخدام الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي يلعب دورًا مهمًا في حياة هذا الجيل، حيث تحول جزء كبير من حياتهم الاجتماعية إلى العالم الافتراضي، مما قد يؤدي إلى الإدمان وتأثيرات سلبية على الصحة النفسية.

ومن الجدير بالذكر أن هذا الجيل يواجه أيضًا نوعًا من الحماية المفرطة من قبل الآباء والمجتمع، حيث يُحرمونهم في بعض الأحيان من اللعب والمغامرة بحرية، مما يؤثر على نموهم النفسي والاجتماعي.

تعمل هذه العوامل معًا على خلق بيئة غير ملائمة لتطوير الشباب والمراهقين، حيث يُجذبون إلى عالم افتراضي يُعتبر آمنًا من وجهة نظر الآباء ولكن في الحقيقة يحمل مخاطر عديدة.

لذلك، يعرف الجيل الحالي بـ«الطفولة المعتمدة على الهاتف»، حيث تتسبب هذه الظاهرة في تأخير نموهم وتأثيرات سلبية على التنمية الشخصية والاجتماعية.

من الضروري تغيير الثقافة الحالية والتوجه نحو توفير بيئة ملائمة لنمو الشباب، وتشجيعهم على اللعب والاستكشاف بحرية، وتوفير التوازن الصحي بين الحياة الافتراضية والواقعية.

هل تقيّد مخاوف السلامة فرص اللعب عند الأطفال

تبدو المخاوف من سلامة الأطفال ورغبة الآباء في حمايتهم أحيانًا مبالغة، مما يؤدي إلى تقليل فرص اللعب في الهواء الطلق والاكتفاء بالبقاء داخل المنازل. هذا التحول في الثقافة الوالدية يقلل من الفرص المتاحة للأطفال لاكتساب المهارات الاجتماعية والجسدية من خلال اللعب في الهواء الطلق.

مع التقدم السريع في التكنولوجيا الرقمية، أصبحت الأجهزة الذكية والألعاب الإلكترونية جذابة بشكل كبير للأطفال والمراهقين، مما يجعلهم يقضون وقتًا أطول داخل المنزل معزولين عن العالم الخارجي. هذا الانخراط المتزايد في الأجهزة الذكية يؤدي إلى تقليل النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي الحقيقي، مما يؤثر على صحتهم العقلية والجسدية.

بمرور الوقت، أصبحت الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال والمراهقين، حيث يعتمدون عليها للتواصل والترفيه والتعلم. هذا التغيير السريع في الاعتماد على التكنولوجيا يمثل تحديًا للأهل والمجتمع في توجيه الأطفال نحو استخدام متوازن للتكنولوجيا وتشجيعهم على النشاط البدني والتفاعل الاجتماعي الحقيقي.

تكنولوجيا الطفولة: ما وراء الانتشار السريع والتبني المتزايد

التحول السريع في نمط الطفولة واعتمادها أكثر فأكثر على التكنولوجيا يمكن تفسيره بعدة عوامل:

1. حماس الوالدين والمجتمع: في بداية انتشار التكنولوجيا، كان هناك حماس كبير حول الجوانب الإيجابية للعالم الرقمي الجديد. الوالدان يرغبان في توفير الفرص لأطفالهم ليكونوا جزءًا من هذا العالم التقني المتطور، وهذا يشجعهم على تقديم الأجهزة الذكية لأطفالهم.

2. الملاءمة والراحة: أجهزة اللمس أصبحت أيضًا نعمة للوالدين المنهكين، حيث يمكنهم استخدامها لتهدئة الأطفال في المطاعم أو خلال رحلات السفر أو حتى في المنزل أثناء إعداد العشاء.

3. ضغوط الوقت والعمل: الوالدين في عصرنا الحالي يواجهون ضغوطًا كبيرة من العمل والتزامات اليومية، مما يجعلهم يعتمدون على التكنولوجيا لتسهيل إدارة الأوقات والأنشطة لأطفالهم.

4. الاجتماعيات والضغوط الاجتماعية: للأطفال الأكبر سنًا، يمكن أن يكون الانضمام إلى منصات التواصل الاجتماعي ضروريًا لمواكبة الأصدقاء والمجتمع، وقد يشعر الوالدون بضغوط اجتماعية للسماح لأطفالهم بالانضمام إلى هذه المنصات.

بشكل عام، تجد أن الوالدين قد استسلموا لهذا التحول السريع نظرًا لضغوط العصر ورغبتهم في تلبية احتياجات أطفالهم ومواكبة التقدم التكنولوجي. وعلى الرغم من أن الاستخدام المفرط للتكنولوجيا قد يحمل بعض المخاطر، إلا أن الوالدين غالبًا ما يحاولون العثور على توازن بين الاستفادة من الفوائد التي توفرها التكنولوجيا والحفاظ على النشاطات التقليدية والتفاعل الاجتماعي لأطفالهم.

إجراءات الحماية من مخاطر الهواتف الذكية على الأطفال:

الخطوات التي اقترحتها عالمة النفس الاجتماعيّ جوناثان هايدت تمثل بداية جيدة للتفكير في كيفية التصدي لتحديات الطفولة المعتمدة على الهواتف الذكية. إليك تحليلًا لكل خطوة:

1. عدم شراء الهواتف الذكية قبل المدرسة الثانوية: هذا القرار يمكن أن يقلل من التعرض المبكر للتكنولوجيا ويمنح الأطفال فترة أطول من النمو الطبيعي دون تأثيرات سلبية محتملة.

2. عدم فتح حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي قبل سن 16: هذا القرار يهدف إلى تأخير التعرض لضغوط الاجتماعيات الرقمية والحفاظ على الأطفال في مرحلة الطفولة الأكثر هشاشة.

3. إلزامية المدارس بوضع الهواتف في خزانة: هذا يعني خلق بيئة دراسية خالية من الانشغال بالهواتف، مما يساعد في تعزيز التركيز والانخراط في الدروس.

4. منح الأطفال المزيد من الاستقلالية والمسؤولية في العالم الواقعي: هذا يساعد في توفير فرص للأطفال لتجربة النشاطات التقليدية وتطوير المهارات الحياتية خارج العالم الرقمي.

بالطبع، هذه الخطوات ليست بدون تحديات، ولكنها تمثل بداية مهمة في التفكير بشكل جاد حول كيفية خلق بيئة صحية ومتوازنة لتنمية الأطفال في عصر التكنولوجيا الرقمية. يجب أن يشارك الوالدين والمجتمع بأسرهم في هذا الحوار واتخاذ الخطوات اللازمة لحماية الأجيال القادمة من تأثيرات الاعتماد المفرط على الهواتف الذكية والشاشات.