موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

طلاب قرى المواجهة بين سندان الحرب ومطرقة الإمتحانات الرسميّة ...

الكاتب: د. خليل بيضون | الجمعة 17 أيار 2024

على مشارف مواعيد الإمتحانات الرّسمية يتأهّب الطّموح، وتُبنى الآمال والأحلام، وتعمر النّفوس بالأماني بموسم يكلِّلُ النّجاحُ بيادرَ حصاده بعد مكابدة شاقّة على مدى عام دراسي لا يختلف عن أعوامنا الأخيرة بما شابها من قلق، وتوتّر، وعدم استقرار على الصّعد كافّة، خاصة في ظل ما رافق هذا العام الدراسي من حرب تدور رحاها على امتداد الحدود الجنوبية مع فلسطين المحتلّة، وما لهذه الحرب من انعكاسات سلبيّة على المرافق الحيويّة، وتداعياتها المقلقة على الواقع المعيشي بوجه عام، وعلى مسار الواقع التّربوي على وجه الخصوص، بما لها من تأثير نفسي ومعنوي على الطلاب والأهل على حدٍّ سواء. فهل يبقى للطموح والأحلام والأماني مكانٌ في ظل هذه الأجواء؟.

صحيح أنّ العام الدراسي اكتمل عِقده بشكل طبيعي في المناطق اللبنانية البعيدة عن خطوط المواجهة، وأنّ مدارسها أنجزت المناهج المقررة وفق الأصول، وأنّ وزارة التربية أعدّت الخطط، وهيّأت الإجراءات اللوجستية اللازمة لإتمام الإمتحانات الرّسمية بنجاح كالمعتاد، ولكن …، مَن يُنصف طلاب القرى المتاخمة للحدود في خطوط المواجهة، أو في ظل نزوحهم القسري عن قراهم ومدارسهم؟ ومَن يعوّضهم عدم استقرارهم النّفسي والمعنوي؟ ومن يعينهم على انعدام القدرة الماديّة للأهل على تأمين احتياجاتهم في ظل البطالة القسريّة التي فرضتها الحرب عليهم ؛ بعد أن توقّفت أعمالهم الحرفيّة، وتبدّدت مواسمهم الزراعية؟.

حقوق هؤلاء الطلاب تقع على عاتق وزارة التّربية والتّعليم العالي، فهي المنوطة بوجوب تأمين السبل اللازمة لتمكينهم من تحصيل مقرراتهم العلمية المطلوبة بشكل مريح وتام، ما يؤهّلهم للخضوع للإمتحانات الرّسمية بشكل طبيعي أسوة بزملائهم الطلاب في سائر المناطق اللبنانية.

وللأسف، ما قدّمته وزارة التّربية لهؤلاء الطلاب لا يُسمن ولا يُغني من جوع، فقد اكتفت بتعميم يتيح لهم التّعلّم من بعد من دون أن تؤمّن لهم وللأساتذة المستلزمات الخاصة بهذا التّعليم، ولم تُقدّم لهم أي معونة مادّيّة أو لوجستيّة ليتسنى لهم متابعة الدروس، فكيف يتابع معظم الطلاب تحصيل دروسهم في مراكز إيواء تفتقر إلى أدنى مقومات التّأهيل والراحة؟ ومن أين يأتي الطلاب بخطوط الأنترنت لتأمين الحضور الفاعل والمفيد في ظل إقامة لا تليق؟ وإذا توفّرت الهواتف المحمولة فإنّها لا تغني في هذا المجال نظرًا إلى كلفتها الماليّة العالية، وأنّ الوضع المادي للنازحين لا يسمح بذلك، ولا يحتاج إلى شرح وتفصيل في ظل هذا الوضع الإقتصادي الصّعب في لبنان…

هذا كلّه كومٌ، والتّعلّم عن بعد في هذه الأجواء – إذا أتيح – كومٌ آخر، فكيف يكون التّعليم والتّعلّم في ظل أزيز الطائرات المستمر ليلًا ونهارًا، والغارت المتتالية التي تنفّذها في مختلف المناطق الجنوبية، وأصوات الإنفجارات العنيفة التي تصل أصواتها – بشكل مرعب – إلى مسافات بعيدة من خطوط المواجهة، والغارات اليوميّة التي تستهدف عمق المناطق الجنوبيّة، إضافة إلى تحليق الطائرات المسيّرة المستمر، وغاراتها المفاجئة التي تستهدف السيارات في الأماكن المأهولة من دون رادع إنساني؟.

كل هذا يجري في ظل غفلة من القيمين على الشأن العام، وبتجاهل من وزارة التربية والتعليم العالي بشكل خاص. فهل من الإنصاف أن يخضع طلاب الجنوب إلى الإمتحانات الرّسمية نفسها التي يخضع لها سائر طلاب لبنان؟ وهل من الممكن أن تنظر وزارة التّربية

إلى هذا الأمر نظرة موضوعيّة ومسؤولة، وتقوم بإجراء خاص بطلاب الجنوب، خاصة الطلاب النازحين من قرى المواجهة؟. هذا برسم المعنيين إذا كانوا معنيين، وكان الأمر يعنيهم…

ورغم هذه المعاناة الحادّة، والضائقة المعيشيّة القاسية ؛ والإهمال الفاضح، والتزامًا بوحدة المناطق اللبنانيّة وعدم التمييز بينها ؛ فإن طلاب الجنوب باعتمادهم على الله وعلى أنفسهم؛ لم يتخلّفوا في الأعوام الماضية، ولن يتخلّفوا في هذا العام عن تأدية واجباتهم، فهم صابرون محتسبون، والأمل يملأ قلوبهم، ومصممون على الإلتزام بإجراء الإمتحانات الرّسميّة والخضوع لمقتضياتها، على أمل أن يحقّقوا درجات النّجاح والتّميّز التي حقّقها زملاؤهم السابقون، متجاوزين نسيانهم على قارعة الأزمات، والإهمال الرسمي لاحتياجاتهم.