موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

تمييز التاريخ ضد الرجال قصار القامة .. هل كان نابليون قصيرًا حقًا؟

الثلاثاء 23 كانون الثاني 2024

عندما نتحدث عن التمييز، يفكر معظم الناس في أن أولئك الذين يتمتعون بخصائص معينة مثل الإعاقة أو العرق أو الجنس يُعاملون بشكل أقل تفضيلًا، فهل يجب أن نفكر في أن الأشخاص يعاملون بشكل أقل تفضيلًا بسبب طولهم؟

الفرضية العامة لقصار القامة

الفرضية العامة هي تكوين معتقدات لا شعوريًا حول الصفات العقلية والجسدية لشخص ما بسبب طوله، فمن الصعب تحديد الطول لشخص ما في مكان العمل وهو أحد أكثر التحيزات غير المعروفة، إذ وجدت الدراسات البحثية أن الطول في مكان العمل يمكن أن يرتبط بارتفاع الدخل ويؤثر على فرص الترقية، وقد كُشف عن أن الرجال والنساء الأطول قامة كان يُنظر إليهم على أنهم «يشبهون القادة»، وبالتالي كان يُنظر إليهم على أنهم أكثر ذكاءً وصحةً من زملائهم قصار القامة.

كما قد لا يُؤخذ الزملاء الأقصر على محمل الجد ويمكن أن يكونوا «النكتة»، وقد وُجد أيضًا أن القائمين على التوظيف يفضلون المرشحين الأطول على المرشحين الأقصر، إذ يعتبرونهم أكثر قدرة وبالتالي قابلين للتوظيف، وكشف البحث أيضًا أن الجنس والطول يمكن أن يرتبطا ارتباطًا وثيقًا، فعلى سبيل المثال كان الرجال طوال القامة أكثر عرضة للوصول إلى منصب إداري من امرأة طويلة أو قصيرة.

في حين تشير الأبحاث إلى أن الموظفين الأطول قامة يتمتعون بميزة على الموظفين قصار القامة من حيث المكانة والقيادة، إلا أنه ليس من الواضح تمامًا سبب ذلك، فهل يمكن أن تكون مشكلة ثقة بدلًا من مشكلة طول القامة؟ وما علاقة نابليون بقصر القامة؟

من هو نابليون؟

اكتسب نابليون بونابرت شهرته لأول مرة عندما ساعد فرنسا في تحقيق نصر غير متوقع ضد النمساويين في إيطاليا عام 1796، مما أكسبه لقب «العريف الصغير»، وأدت براعته العسكرية إلى المزيد من الانتصارات، التي اتسمت جميعها باستراتيجيات جريئة وحتى متهورة، ورُحب به كبطل قومي، واستولى على السلطة السياسية في فرنسا في انقلاب عام 1799، وكإمبراطور حاول توسيع نفوذ فرنسا في جميع أنحاء العالم.

كان نابليون يتمتع بالكاريزما والطموحات الضخمة، لكن طوال حياته ومسيرته المهنية، تعرض نابليون للسخرية بسبب قصر قامته، وأطلق عليه جنوده العديد من أسماء الحيوانات الأليفة، والتي بدأ معظمها بـ «le petit» («الصغير»)، وكان منتقدوه يصورونه باستمرار على أنه رجل صغير الحجم ومشاكس يحاول التعويض عن طوله عن طريق الترهيب والتهديد ليسيطر على من حوله.

أُنشئت المحاكاة الساخرة الأكثر ديمومة بواسطة جيمس جيلراي -رسام الكاريكاتير البريطاني الذي ساعد في ولادة الرسوم الكاريكاتورية السياسية الحديثة- ولم ير جيلراي نابليون شخصيًا أبدًا، لكنه سخر من القائد العسكري ووصفه بأنه رجل طفولي عازم على تحويل العالم إلى ألعوبة، واصفًا إياه بـ «بوني الصغير» وأظهره كشخصية طفل صغير يرتدي ملابس كبيرة جدًا، فعلى سبيل المثال في إحدى الرسوم الكاريكاتورية التي لا تُنسى والتي تعود إلى عام 1803، يمسك الملك البريطاني جورج الثالث حرفيًا بالزعيم الفرنسي في راحة يده، وينظر إليه من خلال المنظار.

عقدة نابليون 

عندما أخبر قائد عسكري نابليون بونابرت أنه يشعر بعدم الارتياح لكونه أطول بكثير من إمبراطوره، زُعم أن نابليون أجاب: «قد تكون أطول، لكنني أعظم» وتمثل هذه القصة مثال للاعتقاد الشائع، المعروف باسم عقدة نابليون، وهو أن الرجال قصار القامة يعوضون سلوكيًا عن عيب الطول، وأصول عقدة نابليون غير واضحة ولكنها تُنسب إلى نظرية عقدة الدونية ألفريد أدلر (1956)، والتي تفترض أن الأفراد يستجيبون لمشاعر الدونية في سمات معينة عن طريق التعويض المفرط عن سمات أخرى.

قد يقدم علم النفس التطوري إطارًا لفحص ما إذا كانت عقدة نابليون لها أساس علمي، إذ تشير نظرية الاختيار الجنسي إلى أن فسيولوجيا الفرد وعلم النفس قد تشكلت من خلال القوى المشتركة للمنافسة بين الجنسين وداخل الجنس، والتي من المتوقع أن تنطبق أيضًا على طول الرجال، إذ يزيد الطول من القدرة على جذب شريك محتمل وهو مثال على الانتقاء بين الجنسين، إذ تجعل سمات معينة الأفراد أكثر نجاحًا في جذب الشركاء (وإنجاب الأبناء) أكثر من غيرهم، كما يحدث الانتقاء داخل الجنس -وهو التنافس مع المنافسين على الأزواج – (جزئيًا) على الخصائص الجسدية للذكور، مثل القوة والحجم، التي تمكن من النجاح في القتال مع الذكور الآخرين، إذ يتمتع الذكور الأطول بالفعل بفرصة أكبر للفوز في المسابقات البدنية.

ما هي متلازمة الرجل الصغير؟

تشير متلازمة الرجل الصغير إلى حالة يشعر فيها الرجل بعدم الكفاءة بسبب قصر طوله وقد يحاول تعويض ذلك بسلوك عدواني مفرط، وغالبًا ما يُشار إلى هذه المتلازمة باسم مجمع نابليون في إشارة إلى القائد العسكري الشهير، ويعتقد أن أحد أسباب نجاح نابليون كان محاولته إخفاء قصر قامته، فلقد كان متحمسًا للغاية لإثبات قدرته على تحقيق العظمة على الرغم من محدودية طوله.

هناك على سبيل المثال قصص عن رجال منعوا صديقاتهم من ارتداء الكعب العالي لأنه من شأنه أن يبرز مكانتهم النسبية، وقد تؤدي هذه الأنماط السلوكية إلى حلقة مفرغة إذ لا يشعر شخص ما بالقبول، لذلك يُنشئ آليات الحماية التي تدفع الآخرين بعيدًا في النهاية، مما يزيد من تعميق مشاعر عدم الكفاءة، ويؤدي هذا بعد ذلك إلى تحفيز سلوك التعويض الزائد للبدء من جديد.

أسباب التمييز ضد قصار القامة

يؤكد علم النفس التطوري أن المتلازمة هي نتيجة لسلوكيات أولية لا تزال متأصلة في نفسية الذكر، فمن الناحية التطورية كان الذكور هم الحماة، لذلك كان جانبهم الجسدي مهمًا، فأولئك الذين لديهم بنية أقوى وأكبر كانوا أكثر عرضة لحماية أسرهم في حالة تعرضهم لأي مخاطر، وكان الرجال الأقصر قامة محرومين لأن بنيتهم الأصغر من شأنها أن تحد من فعاليتهم، ومع ذلك فإن مهارة البقاء هذه ليست ضرورية في عصرنا هذا.

علاوة على ذلك، أظهرت الدراسات أن الأشخاص ذوي الطول الأصغر هم الذين يمكنهم بناء العضلات بشكل أفضل وغالبًا ما يظهرون ردود أفعال أفضل، كما يقدم علم النفس الاجتماعي حجة الجاذبية الرومانسية كتفسير، إذ ارتبط الطول الأطول لدى الرجال إيجابيًا بزيادة الجاذبية في العديد من الدراسات، ويبدو أن النساء يفضلن الرجال الأطول.

المشكلة الوحيدة هي أنه لا يوجد تفسير منطقي لماذا يكون الطول هو العامل المهيمن، فالانجذاب الرومانسي ليس بهذه البساطة فهو ليس مجرد العثور على شخص يتمتع بخصائص جيدة، وفي كثير من الأحيان ننجذب إلى الناس على الرغم من عيوبهم، فالطول هو مجرد جزء صغير مما يقدمه شخص آخر، ومع ذلك قد يبدو وكأنه جانب حاسم.

وفي الختام إن مصطلح «عقدة نابليون» أو «متلازمة الرجل الصغير» يُستخدم بشكل شائع لوصف حالة يشعر فيها الرجل بعدم الكفاءة بسبب طوله، وهو ما يعوضه بشكل مفرط بالسلوك المتعجرف والعدواني.

 

 

المصدر arageek