موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

امتحانات بلا خيارات: قرار وزاري يُشعل غضب الطلاب ويفتح النقاش حول العدالة التربوية

الجمعة 2 أيار 2025
فاطمة نورالدين

بكلمات حاسمة، وضعت وزيرة التربية ريما كرامي حدًا للجدل القائم حول شكل الامتحانات الرسمية لهذا العام، فأعلنت صراحة أن لا مواد اختيارية في امتحانات الثانوية العامة، مقررة في 9 تموز، وأن الامتحانات ستُجرى بصيغتها الكاملة، وإن مع بعض التخفيضات في المضامين. إلا أن القرار، الذي حاول أن يبدو تقنيًا ومنضبطًا، فجّر في المقابل سخطًا عارمًا في أوساط الطلاب، الذين اعتبروه مجحفًا ولا يعكس حقيقة عام دراسي مرّ بثقل الأزمات والانقطاع والإضرابات، فعادوا اليوم إلى الشارع للتعبير عن رفضهم.

من القرار الوزاري إلى الشارع… الطلاب يتكلمون

البيان الرسمي الصادر عن وزارة التربية ظهر في هيئة تبرير مدروس: تم الاستماع إلى الآراء، عقدت لقاءات، وأُخذت الهواجس بالحسبان، بل إن “العام الدراسي فعليًا بدأ في كانون الثاني”، بحسب وصف الوزيرة. لكن الشارع التربوي له رأي آخر.

طلاب ومجموعات شبابية نفذوا اليوم اعتصامًا أمام مبنى وزارة التربية في بيروت، حاملين شعارات تسأل عن معنى العدالة في امتحانات تُلزمهم بتقديم كل المواد، بعد عام دراسي لم يتجاوز أربعة أيام تعليم فعلية في الأسبوع، ومرّ على وقع احتجاجات الأساتذة، غياب المناهج، والشلل المزمن في التعليم الرسمي.

“لا ضرورة للمواد الاختيارية”… ولكن لمن؟

في تبريرها لإلغاء المواد الاختيارية، رأت كرامي أن “الظروف داعمة”، وأن “الامتحانات فرصة لإثبات الصمود”. لكن هذه المقاربة تُغفل تمامًا واقع مئات آلاف الطلاب الذين لم يتلقّوا تعليمهم بشكل منتظم، أو حُرموا من أساتذة المواد الأساسية طيلة أشهر، فيما لا تزال عشرات المدارس تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار التعليمي.

قرار كهذا بدا للكثيرين أشبه بتجاهل فجّ للواقع، وتغليب لصورة افتراضية للتعليم في لبنان، أكثر مما هو محاولة لإنقاذ الشهادة الرسمية. فبدلاً من اعتماد سياسة تربوية تتدرج من رحم الأزمة، أُعيد فرض النموذج الأكاديمي الصلب ذاته، وكأن لا أزمة ولا فراغ ولا معاناة.

الأساتذة بين دعم الطلاب والدفاع عن جودة التعليم

ردود فعل الأساتذة على القرار الوزاري جاءت متباينة. فقد أعرب عدد منهم عن تضامنهم الكامل مع الطلاب، معتبرين أن القرار لا يُراعي الظروف الاستثنائية التي طغت على العام الدراسي، ولا يعكس العدالة المطلوبة في امتحانات مصيرية. وأشار هؤلاء إلى أن جزءًا كبيرًا من التلامذة لم يحصل على الحد الأدنى من التحصيل العلمي في بعض المواد بسبب الإضرابات والانقطاع المستمر، وهو ما يجعل الامتحانات بصيغتها الحالية مجحفة وغير متكافئة.

في المقابل، رأى بعض الأساتذة أن التراجع عن المواد الاختيارية قد يُشكل خطوة نحو استعادة هيبة الشهادة الرسمية، وإعادة تنظيم العام الدراسي المقبل على أسس أكثر صرامة وانضباطًا، معتبرين أن الأولوية يجب أن تكون لاستعادة جودة التعليم، لا الاكتفاء بإجراءات استثنائية تُعيد إنتاج الأزمة.

امتحانات… وفجوة مستمرة

الامتحانات الرسمية في لبنان لا تزال تُدار بذهنية العقاب، لا القياس، وكأن النجاح يجب أن يكون في وجه المصاعب لا بالتعاون على تخطيها. وبينما تُعد الوزارة أوراق الامتحانات، يتهيأ الطلاب لخوض تجربة يعلمون مسبقًا أنها غير منصفة، وأنها قد لا تُنصف إلا من حالفه الحظ أو كان في مدرسة لا تعرف الانقطاع.

المواد الاختيارية كانت، خلال السنوات السابقة، وسيلة تكيّف تربوية مع واقع استثنائي. اليوم، ألغاها القرار الوزاري بذريعة “دعم الأجواء”، دون أن يُثبت هذا الدعم في السياسات الفعلية. فالتمديد حتى 13 حزيران لا يُعوّض ما فُقد، والامتحان في 9 تموز لا يُبنى على أساس متين.

وفي المحصّلة، قد تتحوّل الشهادة الرسمية إلى محطة إضافية تعكس عمق الفجوة بين الواقع التعليمي والقرارات الوزارية. وما لم تُفتح قنوات حقيقية للنقاش والتخطيط التربوي، فستبقى الامتحانات عنوانًا جديدًا لانفصال القرار الرسمي عن حياة الطلاب اليومية.