موقع متخصص بالشأن التربوي اللبناني

الأقساط المدرسيّة من يردم الهوّة بين النص القانوني واستباحته من المدارس الخاصة

الكاتب: د. خليل بيضون | الجمعة 14 حزيران 2024

بتاريخ 6/6 من العام 1996 صدر قانون ﺗﻨﻈﯿﻢ اﻟﻤﻮازﻧﺔ اﻟﻤﺪرﺳﯿﺔ ﻓﻲاﻟﻤﺪارس اﻟﺨﺎﺻﺔ ﻏﯿﺮ اﻟﻤﺠﺎﻧﯿﺔ وأﺣﻜﺎمه المتفرقة تحت الرﻗﻢ 515، حيث وﺿﻊ أﺻﻮل ﺗﺤﺪﯾﺪ الأﻗﺴﺎط اﻟﻤﺪرﺳﯿﺔ وفق معايير نفقات الموازنة من رواتب الأساتذة والمستلزات التّشغيليّة، ومنذ ذلك الوقت عُمل بهذا القانون وحلّ جزءًا كبيرًا من المشكلة التي كانت تتجدّد في مطلع كل عام دراسي بين الأهالي وإدارات المدارس الخاصة، ومرّ هذا القانون بعدة تعديلات على امتداد الفترة الزمنية الواقعة بين صدوره وحصول الأزمة المالية والإقتصادية في العام 2019 التي عصفت بكل شيء في لبنان، وأعاد مشكلة الأقساط المدرسية إلى المربّع الأول، أو إلى حالة الفوضى المتفلّتة من أي قيد.

ومع نهاية العام الدراسي الحالي وتحضيرًا للعام المقبل 2024 -2025 بدأت المدارس الخاصّة بإرسال رسائلها المعهودة إلى الأهالي تحدّد فيها قيمة الأقساط المدرسيّة عن عام مقبل لم يبدأ بعد، معتمدة زيادات عالية فاقت زيادات العام الماضي، وأنّ الدفع نقدًا وبالدولار الأميركي.

هذه الأقساط تشير إلى أنّ المدارس الخاصة تعيش في كوكب آخر، أو أنّها تسعى لتحقيق تعافيها على حساب حاجة الأهالي الملحّة إلى تعليم أبنائهم، مفترضةً أنّ الوضع الإقتصادي للناس قد تبدّل، وأنّهم خرجوا من الضائقة الماليّة التي أطاحت بمقدرات الشّعب اللبناني عامّة، وأنّهم بـــاتـــوا قادرين على دفع قيمة الأقساط المدرسية نفسها الـتـي كــانــوا يـدفـعـونـهـا قبل حصول الأزمــــة وفـــقـــدان قيمة الـــرواتـــب في القطاعين العام والخاص.

وفي مقررات المدارس الـتـي (لا تبغي الــربــح) برزت زيـــادات عـشـوائـيـة على الأقـسـاط لا معايير لها، تـبـدأ مـن %30 وتـتـجـاوز الـ %100 فـي غـالـبـيـتـهـا، مستبقةً الموازنات التي تقوم في الأساس على عــدد الـطـلاب والقيمة التّشغيليّة لعمليّة التّعليم.

وإضافة إلى أقساطها العالية؛ فإنّها تبتكر أساليب جديدة وبدع غير قانونيّة تدرّ عليها المزيد من الأرباح غير الشرعيّة، كرسوم التسجيل الـتي يجب أن تعادل فقط %10 مـن قيمة قـسـط السنة السابقة كما نص عليها قـــانـــون تـنـظـيـم الموازنـات المدرسـيـة المذكور أعلاه، لكنّ هذه الرسوم تتخطى الــ %40 فـي مــدارس عــدة.

ومن البدع المبتكرة أيضًا بدعة رسم فتح ملف للطالب الجديد يبدأ بـ100$ لـيـصـل إلـــى أكثر من 1000 $ فـي بعض المدارس المشهورة، إضافة إلى أرباح بدلات النقل “الأوتــوكــار” والـكـتـب المدرسيّة المنتقاة على هوى السمسرات مع دور النّشر، وأرباح الـقـرطـاسـيـة المفروضة على الطالب، والزي المدرسي المعتمد،  والزي الرياضي.

واللافت في الأمر أنّ هناك تنسيقًا بين المدارس الخاصّة في المنطقة الواحدة، يتمثّل بتوحيد جداول الأقساط لاستغلال حاجة النّاس، ومنعًا للمنافسة في ما بينها، وعليه، فإنّ الأهالي يجدون أنفسهم مضطرّين لتقبّل هذه الأقساط المرتفعة والمتطابقة بينها إلى حدّ بعيد.

ولكي تزيد المدارس من الضّغط على الأهالي لتلزمهم بالإسراع في تسجيل أولادهم؛ تـــرفـــق إعـلاناتها بتحديد مهلة زمنيّة قصيرة لإقفال باب التسجيل، على الرغم من أن القانون يحفظ حق التّلميذ بمقعده الدراسي ما لم يمتنع هو عن التّسجيل.

وفــي باب البزارات السّوقيّة للتربية تعلن بعض المدارس عن تقديم حسومات على الأقساط لمن يسدد كامل القسط مسبقًا ودفعة واحدة. ومهما كان الأمر، فالزيــــــــادات على الأقساط مــخــيــفــة مهما طرأ عليها من حسومات.

وتبرر المدارس الخاصة زياداتها على الأقساط بحجّة تحسين رواتب الأساتذة والموظفين، لأنّهم لن يرضوا في هذا العام بمبالغ ال 200$ وال 300$ التي كانت تصلهم في العام الماضي، إضافة إلى غلاء المواد وزيادة الأكلاف التشغيلية للمدارس.

ومن المتوقــع أن تــزيــد الأقـــســـاط المدرسيّة ثـلاثـة أضعاف الـزّيـادة على راتـب الأستاذ، أي أنّ كل زيادة للأستاذ سيقابلها زيادة 3 أضعاف في الرسم المفروض.

لكن شمّاعة تحسّن رواتب الأساتذة التي تُعلِّق عليها المدارس قراراتها  لـم تعد تنطلي على الأهـالـي، فنتيجة التّعسف والإجحاف بحق الأساتذة وتـــراجـــع الــتــقــديــمــات الممنوحة لهم؛ هناك مدارس كثيرة سرّحت عددًا من كوادرها التعليميّة، واستبدلتم بمبتدئين لتوفّر في حجم الرواتب، وأنّ الزيادات التي طرأت على الرواتب تساوي نسبة ضئيلة من الزيادات على الأقساط.

وكثيرًا ما تذرّعت المدارس الخاصة بسلسلة الرتب والرواتب لترفع أقساطها، مع أنّ معظمها لم يلتزم بتطبيقها. واليوم تعتمد المعزوفة نفسها لترفع الأقساط لتصل في بعض المدارس إلى ما كانت عليه قبل الأزمة، وبقيت رواتب موظفيها قاصرة عن بلوغ 40% مما كانت عليه قبل الأزمة. وهناك حديث في الكواليس عن اتفاق تم بين نقابة المعلمين ولجان الأهل ووزارة التّربية على زيادة رواتب الأساتذة لتصل إلى %60 أو %65 الــعــام المقـبـل مـمـا كانت عليه قبل الأزمة، ولتعود إلى نسبة 100% مما كانت عليه بحلول العام 2025 – 2026«.

إنّ ضغط الأقساط المدرسية للعام القادم شكّل صدمة للأهالي، ووضعهم أمام خيارين أحلاهما مر، وجعلهم رهن قدراتهم الماديّة، فهــنــاك مــن استسلم للواقع المرير طمعًا بجودة التّعليم، وحفاظًا على مستقبل أولاده، ومنهم من لجأ إلى خيار أدنى مستوى أملاه الواقع المادي لديه، فاختار مدرسة دون المستوى المرغوب، ومنهم من لجأ إلىى التعليم الرسمي، ليس رغبة فيه، ولا ثقة به، ولكنّه فقد إمكانيّة الاخــتــيــار، وإلا سيؤول الأمر بأولاده إلـى الشارع ويشملهم التسرب المدرسي.